أدلى رئيسنا العام Abdurrahman Kaan بتقييمات مكتوبة لصحيفة Dünya حول التطورات السياسية والاقتصادية التي بدأت في العالم بعد مسار فيروس كورونا.

إن المسار الذي بدأ مع كورونا يشير إلى مرحلة فارقة في البنية الاقتصادية السياسية والاجتماعية للعالم. فنحن الآن في مسار إعادة توزيع وإعادة صياغة مفاهيمية تُوصف فيه أنماط السلوك الاقتصادي والاجتماعي الجديدة بأنها الوضع الطبيعي. وحتى الإطار الرئيسي الذي نصفه بأنه جيوسياسي فحسب سيقودنا في عالم الغد إلى مفاهيم جديدة مثل جيوسياسة المعرفة والبحث والتطوير (المعلوماتية السياسية)، وجيوسياسة الغذاء والتوزيع البيولوجي أي البيوسياسة، والصناعة السياسية التي سيُعاد فيها تشكيل خطوط الإنتاج والتوريد والخدمات اللوجستية، والإيريدنتية الاقتصادية التي لم تعد مجرد مصطلح سياسي بل غدت مجال تعريف اقتصادي، والثقافة السياسية التي ستعمل فيها الثقافة والفن كأدوات اختراق اقتصادي وهندسة إدراك اجتماعي؛ وهي مفاهيم ستدفعنا إلى إعادة كتابة النظريات الاقتصادية الكلاسيكية من جديد.

توظيف الجائحة كمنقذ لمفهوم الاقتصاد العالمي القائم على احتكار القلة

لقد جاءت الجائحة كنقطة انفجار لنظام عالمي كان يعاني الاختناق أصلاً. فجميع دول العالم تعيش في الحقيقة مساراً تُختبر فيه أساليب إدارة الأزمات وإدارة المخاطر التقليدية ومفاهيم السياسة. وعند دراسة البيانات الاقتصادية العالمية قبل الجائحة، نجد أن توقعات النمو الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والبنك الدولي قبل تفشي كوفيد-19 كانت تشير إلى انكماش في الإنتاج على مستوى العالم. وقد أكدنا في التصريحات التي أدلينا بها في تلك الفترة أن أزمة سلع حادة تنتظر العالم في عام 2020 وما بعده. ولم نكتفِ بالسلع، بل شددنا مراراً على أننا في حلقة مفرغة تُحاول حل المشكلات الاقتصادية الحقيقية بالأدوات والسياسات المالية، وعلى أن هذا الوضع سيؤدي إلى فقدان النقود لقيمتها ولتعريفها، ولا سيما مع التضخم في أسواق المشتقات، بل سيصل بالنظام النقدي إلى حافة الانهيار. وبصرف النظر عن انتقال التجارة نحو الشرق قبل الجائحة، فإن الانخفاضات الواضحة المرصودة منذ عام 2017 في تجارة السلع العالمية وفي حجم الخدمات اللوجستية على مستوى الموانئ والنقل الجوي كانت تخبرنا أصلاً بأن الاقتصاد العالمي بحاجة إلى نموذج ودافع جديدين كي ينتعش من جديد.

المراحل التي مر بها تاريخ العالم حتى الجائحة:

تحولات الجيوسياسة العالمية على مدى عشرين عاماً

عندما ندرس تاريخ الاقتصاد السياسي العالمي نرى أن النمط الاقتصادي ينتقل كل 20 عاماً إلى فترة مختلفة ويشهد تحولاً. فالنظام يراجع نفسه كل عقدين. وإذا أخذنا القرن العشرين وحده؛

في الأعوام 1900 إلى 1920 دخلت القوى المهيمنة للثورة الصناعية في حرب ضارية من أجل ترسيخ الرأسمالية. وقد أعادت الحرب العالمية الأولى كتابة قواعد التاريخ الاقتصادي العالمي ورُسمت حدود الدول.

ويمكن القول إن أسس كثير من المآزق الجيوسياسية التي نعيشها نحن أيضاً اليوم قد وُضعت في الحقيقة خلال تلك السنوات العشرين. وكانت تركيا خلال هذه السنوات العشرين تخوض نضالها من أجل التحرر الوطني والاستقلال، وكانت لاعباً خارج النظام تقريباً بالكامل.

وعند دراسة الفترة بين عامي 1920 و1940، نجد أن أزمة الكساد الاقتصادي عام 1929 دفعتنا إلى إعادة النظر في المسارات القائمة. ففي عشرينيات القرن الماضي فرضت الهيمنة الأمريكية نفسها على النظام العالمي. وفي هذه الفترة بدأت البنوك الأمريكية، التي كانت تجمع بين عمليات الودائع وأنشطة الاستثمار، تحل محل البنوك البريطانية. ووجد النظام العالمي المختنق نفسه عام 1939 في خضم حرب ثانية، وفُتح الباب هذه المرة أمام حروب الهيمنة.

وبعد الكساد الكبير، تصدّر المشهدَ المراقبون الماليون بسبب الدخول الحر إلى الأسواق المالية، ومشكلات اختلال موازين المدفوعات في الدول، وهروب رؤوس الأموال، وأعباء الديون. وكنا في هذه المرحلة منشغلين بدمج بلد متجدد في شكل جديد من أشكال الإدارة.

وعند دراسة الفترة بين عامي 1940 و1960، رأينا كيف وُضعت الاقتصادات المستقلة للدول تحت السيطرة واحداً تلو الآخر عبر خطة مارشال ونظام بريتون وودز. وقد اضطرت تركيا في هذه السنوات العشرين إلى دمج النظام المالي المهيمن القادم من الغرب في بلدها.

وعند النظر إلى الفترة بين عامي 1960 و1980، نجد أن أسواق اليورو دولار قد غدت مركز التمويل العالمي مع صدمة النفط. فقد أدى تضاعف سعر النفط أربع مرات عام 1973 عقب حرب يوم الغفران، وتضاعفه ثلاث مرات مع الثورة الإيرانية عام 1979 وتهديد العراق لإيران عام 1980، إلى اهتزاز عميق في تدفق التمويل العالمي. وهكذا عاد العالم إلى نهج عام 1973 الذي يشترط وجود الدولة من أجل التنمية. وكنا نحن في هذه المرحلة نعيش مسارات الانقلابات والمذكرات العسكرية. ومهّدنا الأرضية فعلياً لعقلية عاجزة عن بلوغ النضج الديمقراطي كي تجعلنا تابعين للخارج اقتصادياً.

أما فترة 1980-2000 فقد كانت نذيراً بتحول نادر المثال في العالم. ففي السنوات التي أعقبت نهاية الحرب الباردة تعرّف العالم على منظومة جديدة من التعريفات والمواقف الاقتصادية، سواء عبر تغير المفاهيم والظروف السياسية في الساحة الدولية أو عبر تقدم نادر المثال في التكنولوجيا. فالعلاقات الاجتماعية السياسية الدولية التي كانت حتى ذلك الحين قائمة على أساس الأمة والحلف، أي على أساس الإقليم، أفسحت المجال تدريجياً أمام تساؤل عالمي حول الإنتاج والرفاه يعتبر مخاطبه جميع أمم العالم.

غير أن العولمة لم تكن نتيجة نهائية، بل كانت على العكس اقتصاد مرحلة انتقالية. ونحن نرى اليوم صحة هذه الفرضية من خلال المواقف الاقتصادية في مسار كورونا.

كان المدافعون عن النظام العالمي يعرّفون النظام المالي العالمي بأنه “وهم” صنعته القوى الطبقية المهيمنة على الاقتصاد، وهو يقيّد حرية حركة الدول في الساحة الدولية ويحل في المستوى نفسه محل استراتيجيات الدول. وهذه الفئة تقول اليوم بصوت أعلى بكثير؛ “إن النظام الاقتصادي القائم، حتى بالتنظيمات الكينزية الجديدة، بعيد عن التقريب بين الدول والأمم وعن تحويل العلاقة الاقتصادية إلى رفاه عالمي. أفلم نشهد ذلك عن كثب في مسار كورونا؟

أفلم نرَ أن النظام المالي الأوليغارشي الذي يدور في محور تشكيل الشركات وبناء العلامات التجارية قد أدى إلى انقسامات أعمق وأشد تدميراً وإلى هوّات اقتصادية بين أبناء الأمة، بل قضى على عنصر الثقة الأساسي في النظام التجاري؟

إذن كيف تمكنت العولمة، التي وُجهت إليها انتقادات بهذه الحدة في حينه، من أن تجد لنفسها أرضية مواتية إلى هذا الحد؟ لأنها كانت تقدّم خطابات التجارة الحرة وحرية التنقل التي يرفعها الاستعمار، تحت غطاء الديمقراطية، بوصفها ميزة لصالح الدول النامية. أو أنها كانت تدعم مثل هذا التصور بالنظام المالي.

غير أن النظام نفسه كان يجلب معه قواعد موحدة، أي التنميط لدى جميع أمم العالم. بل إن التيارات الثقافية الموحدة أخضعت حتى الرموز الثقافية التي طورتها الأمم على مدى تاريخها للتصنيف داخل مفهوم “الحضارة”.

ومنذ هذه النقطة، للأسف، فقدت العناصر الأساسية للاقتصاد الحقيقي كالإنتاج والتوظيف والرفاه الاجتماعي أهميتها وبدأت تستسلم للنقود وللنظام المالي المحيط بها. أي أن مسار إدارة السياسات الاقتصادية بالأدوات المالية قد بدأ فعلياً. وبدأ المشتق يحل محل الحقيقي.

أما الأعوام من 2000 إلى 2020 فكانت تشير إلى مسار أُعيد فيه تعريف النقود ذاتها تعريفاً نموذجياً، لا النظام النقدي فحسب. فالمسار الذي بدأ بهجمات 11 سبتمبر غدا في الحقيقة نقطة انطلاق لصراعات هيمنة جديدة تماماً، وانضمت الصين مع الوقت إلى اللعبة لاعباً عملاقاً. ومع دخول الصين إلى الميدان بدأت خطوط الإنتاج والتوريد الاقتصادية تنتقل تدريجياً نحو الشرق.

لكن ثمة نقطة حاسمة هنا تتسم بالأهمية من حيث المسار اللاحق لتأثيرات الجائحة: ففي حين كان مسار النمو القائم على الإنتاج لدى أكبر عشرين دولة نامية قبل الأزمة متجهاً نحو الأعلى، كان هذا المسار لدى العشرين المتقدمة متجهاً نحو الانخفاض. وبينما كان الاقتصاد العالمي ينتقل نحو الشرق كانت قواعد الإنتاج تتبدل ورأس المال يجد مجالات إنتاج جديدة. وفي عالم تستعيد فيه الاقتصادات الوطنية قوتها، كانت القدرات الإنتاجية للدول المتقدمة الخاضعة لهيمنة الشركات الكبرى تتراجع، في حين كان مجال الاستثمار والإنتاج الجديد في العالم هو الكتل التي تشكلها الدول النامية العشرون.

والآن، مع الحزم المالية الضخمة التي أعلنتها الدول المتقدمة في مسار التعافي، فإن ذلك يشير أيضاً إلى أن معدلات النمو في هذه الدول ستشهد في المرحلة المقبلة انخفاضاً أكثر جذرية، وأنها ستتجه بالتوازي إلى سياسات مالية أكثر تشدداً. وهنا قد نجد أنفسنا أمام خيار موازنة الاستثمارات والميزانية بالتمويل الذاتي. وهذا لا يتحقق إلا بزيادة القدرات الإنتاجية وترسيخ وكالات محلية ووطنية لإنتاج المعرفة الاستراتيجية.

التغيرات المحتملة في العالم بعد الجائحة وتزايد أهمية تركيا

أولاً، ستتغير أنماط حياتنا وتصورنا للتواصل الاجتماعي. وسيتركنا هذا التغيير وجهاً لوجه أمام نظام عمل جديد ومجموعة تشريعات جديدة في الحياة الاقتصادية.

سيتعين علينا إعادة تعريف العلاقة بين منظومة قيمنا والفضاء العام. وفي هذا المسار يجب على كل أمة، من أجل تنمية إنسانية مستدامة، أن تعيد النظر في منظومتها القيمية وأن تُصمَّم الحياة الاقتصادية على نحو يحترم هذه القيم.

نحن بحاجة إلى نموذج اقتصادي جديد للإنتاج والتوزيع من أجل توزيع سلاسل الإنتاج والتوريد والقيمة توزيعاً عادلاً على جميع دول العالم. فقد أظهرت لنا هذه الأزمة أن الصين وحدها، أو الدول التي تمسك وحدها بسلسلة الإنتاج والتوريد على مستوى القطاعات، والنظام الاقتصادي الداعم لذلك، قد وقعت في الفراغ في أوقات الأزمات. ولهذا السبب ينتظرنا نظام تشاركي متعدد الأطراف يمكن لكل أمة تقريباً أن تسهم فيه بقيمها الاقتصادية في الناتج العالمي. ذلك أن الانكماش الاقتصادي الذي سيُعاش في مرحلة ما بعد كورونا سيؤدي أيضاً إلى إفقار عالمي. ومن هذه الناحية يجب إعادة تعريف الرفاه العالمي وإعادة تحديد شروطه.

ستتغير أساليبنا في ممارسة السياسة. فالعالم يختبر في هذا المسار وبعده ديمقراطية مباشرة قائمة على القيادة لكنها تستمد قوتها من القاعدة. وقد رأينا كيف يعطي البناء التشاركي والتعددي نتائج ناجحة في أوقات الأزمات بفضل الزخم الآتي من القادة ومن قوى قواعدهم.

ستتغير تعريفاتنا للتعليم وأنظمتنا التعليمية المدرسية. ويمكن القول إن نموذجاً جديداً للتعليم والإدارة الاقتصادية ينتظرنا الآن، تُستخدم فيه إمكانات الوصول عن بُعد استخداماً فعالاً وتُعدّ به قوى بشرية مؤهلة في تخصصات متعددة.

ينتظرنا مسار نراجع فيه التوازن المفاهيمي بين العلم والدين ونعيد فيه رسم حدود الوضعية. فالعالم يدرك أنه لا يستطيع السير في مثلث العلم والدين والقيم الأخلاقية على خط وضعي متشدد ولا على خط منغلق تماماً على الدنيا.

يجب إعادة تصميم العلاقة التي أقمناها مع البيئة والطبيعة، وعلينا أن نمضي نحو عقد جديد من الرحمة والتوافق بيننا وبين الطبيعة. وقد رأينا مرة أخرى في هذا المسار أن الطبيعة من أثمن ما اؤتمنّا عليه.

ستتغير عناصر قوتنا الوطنية التقليدية. فنحن نرى كيف تنوعت عناصر القوة الوطنية التي كنا نعرّفها يوماً بالأرض ورأس المال والتفوق العسكري، وكيف دخلت مفاهيم جديدة إلى دائرة التهديدات الوطنية.

يُنظر إلى الصين اليوم في مجالات كثيرة بوصفها قوة الدومينو في التجارة. غير أن هذا الوضع يجب ألا يُنسينا وقع أقدام هيمنة جديدة محورها الشرق. بل إن هذه القوة الجديدة تمثل تهديداً أشد سخونة بكثير من حيث عدد السكان والموقع الجيوسياسي إذا ما قورنت بالتدخلات العابرة للبحار للقارة البعيدة. وبالمثل، فإن إضافة قوة الاستخبارات التي أقامتها في آسيا الوسطى وآسيا والمحيط الهادئ تكشف لنا عن تهديد أقرب بكثير سنعيشه في المستقبل: حروب الاستخبارات الاقتصادية.

وفي هذا السياق، حان الوقت تماماً لمراجعة ليس معاييرنا الاقتصادية فحسب بل تصوراتنا الأمنية أيضاً.

عند قياس القوة الوطنية علينا أن نقسم الموارد الوطنية إلى التكنولوجيا وريادة الأعمال والقوى البشرية المؤهلة ورأس المال المالي والموارد الطبيعية. أما الموارد الطبيعية فتفتح لنا الآن مجال إلزام من حيث التحرك على أساس المخزون. وما هي هذه الموارد المخزونة: مخزونات الغذاء والبذور، ومخزونات المعرفة التقنية ذات الأهمية الحرجة، ومخزونات المعادن الثمينة، وبالطبع مخزونات الطاقة. وعند هذه النقطة لن يكفي امتلاك الطاقة، بل سنضطر إضافة إلى ذلك إلى انتهاج استراتيجية لتخزين الطاقة. ولهذا السبب فإن تقليص التبعية الخارجية في الطاقة إلى أدنى حد، بل توسيع الموارد، وحتى إنفاق الأرباح التي ستُجنى من احتياطيات الطاقة المكتشفة في سبيل اكتشاف احتياطيات جديدة، يقف أمامنا بوصفه قراراً استراتيجياً حاسماً. ذلك أن قوى المخزون الأساسية الأربع التي عددناها أعلاه، وفي مقدمتها الطاقة، ستبقى أثمن أوراقنا على الطاولات التي نحدد عليها الاستراتيجيات الاقتصادية السياسية بوجه خاص. وعند النظر إلى الزيادة في إنتاج الطاقة العالمي على مستوى الأقاليم يتبين أن الدول التي ستلبي هذه الزيادة هي الدول النامية، وأن هذه الدول ستغدو في الحقيقة، مع تزايد احتياجاتها من الطاقة بالتوازي مع تزايد إنتاجها، دولاً ذات طلب مرتفع على الطاقة لنفسها أيضاً. وهذا الوضع يبرز الأهمية الاستراتيجية لأوراسيا، وبالتالي لتركيا بوصفها بلد العبور في أوراسيا. وتكتسي الزيادة في عمليات النقل عبر أوراسيا أهمية خاصة. وهنا أيضاً تقدم تركيا خدمة العبور بحركة المرور البرية وحركة المضائق معاً. ولهذا فإن من الأساسي، إلى جانب مجرد الوصول إلى احتياطيات الغاز، أن تعود إلى جدول الأعمال أيضاً القنوات الواقعة على خطوط نقل هذه الاحتياطيات واحتياطيات الدول الأخرى. وهنا، رغم ما يثيره من نقاشات كثيفة، تتضح مرة أخرى أهمية الاستراتيجية اللوجستية التي سيضيفها نموذج Kanal İstanbul إلى تركيا بلدِ العبور.

مقترحات لإعادة إعمار خط الاستثمار

أما أداؤنا الوطني فيُقاس بثلاثة مكونات أساسية:

أمن رأس المال، وبناء الاستخبارات الاقتصادية، وتصميم الدبلوماسية التجارية والاقتصادية بما يخدم إنشاء خط للتجارة والاستثمار

إن الميزة التنافسية التي سنحققها في هذه المكونات الأساسية الثلاثة ترفع بلدنا إلى مرتبة الكفاية الاقتصادية.

الكفاية الاقتصادية هي العامل الأساسي في النظام العالمي الجديد اليوم. أما الكفاية الاقتصادية فليست تحجيم رأس المال وتصنيفه؛ بل هي بناء اقتصاد شبكي منتشر في القاعدة ومتغذٍّ من القاعدة.

وثمة أمر ينبغي أن يُعرف جيداً الآن؛ فالحركات التي لا تجد صدى في القاعدة أو لا تحظى بقبول واسع على مستوى القاعدة لا تعمّر طويلاً.

وينطبق الأمر نفسه على البنى والتنظيمات الاقتصادية. فكتلة رأس مال وطنية منتشرة في القاعدة ومهيمنة على جمهور واسع تحقق المزايا التالية:

1.لا تفصل رأس المال، بل تنشره في القاعدة على العكس.

2.تمنع التهرب من التسجيل في تكوين مخزون رأس المال.

3.تضمن المشاركة الفعالة للبنى الشبيهة بالشركات الصغيرة والمتوسطة في تكوين مخزون رأس المال.

4.تفتح الطريق أمام اندماجات الشركات الصغيرة والمتوسطة وتكوين مجموعات رأسمالية كبيرة. وتزيد التخصص في الإنتاج.

5.تهيئ الأرضية لأن ينشئ جانب رأس المال نظام تمويل داخلي وأن يعوّض خسائره بأنظمة الصناديق هذه. وتقلل التكاليف الواقعة على الدولة مثل "إنقاذ الشركات وإعادة هيكلتها” والحوافز. إن القدرة على التخطيط المستقبلي للموارد الاستراتيجية وعلى الاستجابة الفورية للتغير، أي "الانعكاس الاقتصادي”، مؤشر على قدرتنا على خوض الصراع الاقتصادي. ويجب أن يكون من سياساتنا الاستثمارية الأساسية عدم الاكتفاء بتحريك فاعلي السوق على أساس المخزون، بل زيادة فاعلية الشركات ضمن نظام تدفق، وبناء منظومة لريادة الأعمال على غرار الحاجة إلى دم جديد، وإعادة تقييم سوق الشركات الصغيرة والمتوسطة لدينا التي توازن جمود المؤسسات الكبيرة بنطاقها الضيق لكن بإنتاجيتها الكبيرة، وإخراج صانعي لعب جدد من هذه السوق. ولهذا فإن استراتيجيتنا الرئيسية هي إلحاق الاستثمار بخط الإنتاج والتجارة عنصراً مكملاً. وهكذا يضع المسار الجديد على الطاولة خيار التشغيل الفعال لمواردنا من التمويل الذاتي في استثماراتنا كدولة أيضاً، تماماً كالتمويل الذاتي للشركات. وعلينا أن نشجع تحويل النقد الذي يحتفظ به مستهلكونا النهائيون وكذلك القطاع المنتج بدافع الاحتياط إلى مجالات استثمار آمنة وجديدة.

علينا أن نتجه إلى بناء نظام اقتصادي جديد ريادي وتنافسي يزيل ما يسمى بالتعبير الاقتصادي أثر مزاحمة الاستثمارات. ذلك أن التحول الرقمي الذي ينتظرنا حتماً في المسار الجديد سيُحدث أثر دوامة يشمل مجالات كثيرة، من أساليب عملنا وصولاً إلى شبكاتنا اللوجستية وشبكات التوريد الجديدة. ومن هذا المنطلق فإن مفهوم النقود الذي سيتغير تعريفه ووظيفته يدفعنا نحو نموذج استثماري جديد. أما النموذج الذي نسميه مزامنة الاستثمار والإنتاج والتجارة فينطلق من منطق أن الشركات الصغيرة والمتوسطة، عمود الاقتصاد الفقري، ينبغي أن تكون العنصر الرئيسي للاستثمار، وأن تُقيَّم بشكل انتقائي وتُنمّى في مواقع مناسبة وتُسوَّق تجارياً بوصفها وكيل استثمار بل ومنتجاً تصديرياً.

أسس الكفاءة بعد الجائحة

يجب أن تدفعنا الجائحة إلى مساءلة كفاءة ثلاث نقاط أساسية:

1. كفاءة رأس المال ومخزون رأس المال. إن القوة المنقذة للدولة في أوقات الأزمات هي مخزون رأس مالها. غير أن دولاً كثيرة رأت في هذا المسار مدى هشاشة مخزون رأس المال الذي تملكه في هذا الشأن. وقد أدركت دول كثيرة، ونحن منها، أن تراكم رأس المال متجمع في بضع دول وفي مقدمتها الصين، وأن مخزون رأس المال الوطني في بلدها غير كافٍ وأنه تشكّل على نحو بعيد عن الكفاءة.

2. كفاءة الحوافز وأشكال الدعم. أي يمكننا الحديث عن اختبار مدى كفاءة تحوّل أشكال الدعم إلى استثمار. فأنظمة الحوافز وأشكال الدعم تجعل دورة رأس المال كفؤة ما دامت تخدم في نهاية المطاف الاستثمار وتراكم رأس المال. غير أن الجائحة أظهرت لنا أننا نعيش داخل نظام يشغل نفسه ضمن مفارقة خطيرة بين رأس المال والثروة.

3. سياساتنا في ريادة الأعمال وكفاءة رائد الأعمال. لقد قدم مسار الجائحة في الحقيقة بيئة اختبار لجميع شركات العالم بالتوازي مع حجم كل منها. ويمكننا أن نعدّه نوعاً من اختبار المتانة. وعلينا ونحن نشجع ريادة الأعمال أن نفكر في الآتي: هل ثمة حاجة لأن يكون الجميع رواد أعمال أو منتجين؟ ينبغي أن يكون لذلك بعض الشروط المسبقة والحدود. وإلا فإن الشركات غير المتينة تتحول في أوقات أزمات كهذه إلى أعباء على الدول. وقد رأينا ذلك أيضاً في مسار الجائحة.

4. كفاءة التشريعات. علينا أن نبني درعاً تشريعياً من أجل شراكاتنا التجارية مع كتلة آسيان وفي مقدمتها الصين. فثمة حاجة إلى مجموعة تشريعات واسعة النطاق سواء على صعيد عمليات شراء الشركات أو على صعيد تصدير شركاتنا بغرض الاستثمار.