تسبب وباء فيروس كورونا (كوفيد-19) الذي بدأ في ولاية ووهان الصينية في ديسمبر 2019 في أزمة خطيرة بعد أن أحكم قبضته على العالم بأسره في وقت قصير. ورغم وصول الوباء متأخراً إلى بلدنا، لا تزال له انعكاسات اقتصادية خطيرة في تركيا كما هو الحال في الدول الرائدة في العالم. وقد أدلى Taner Gündoğan، عضو لجنة تطوير موارد السياحة الجديدة في مسياد، بتصريحات مهمة حول وضع قطاع السياحة ومستقبله.

شهد قطاع السياحة تطوراً كبيراً خصوصاً بعد ثمانينيات القرن الماضي. وفي الفترات التي ضاق فيها اقتصاد بلدنا بحاجته إلى العملة الأجنبية، كان قطاع السياحة طوق نجاة للاقتصاد التركي عبر توفير تدفقات النقد الأجنبي. وبفضل الاستثمارات التي وُجّهت إلى قطاع السياحة في الفترات الأخيرة على وجه الخصوص، حقق القطاع زخماً كبيراً من حيث عدد السياح الأجانب، وإيرادات السياحة المتحققة، ومعدلات الإنفاق السياحي، وحصة السياحة من الناتج المحلي الإجمالي، وانعكاسها على الدخل القومي، وحصتها من التجارة الخارجية (الاستيراد والتصدير)، ومعدلات إنشاء المنشآت ومساهمتها في التوظيف. وقد جنت تركيا ثمار هذه الاستثمارات في وقت قصير، فارتقت إلى المرتبة السادسة عالمياً في قطاع السياحة وأصبحت أحد اللاعبين الرئيسيين في القطاع.

تسبب وباء فيروس كورونا الذي بدأ في ولاية ووهان الصينية في ديسمبر 2019 في أزمة خطيرة بعد أن أحكم قبضته على العالم بأسره في وقت قصير. ورغم وصول الوباء متأخراً إلى بلدنا، لا تزال له انعكاسات خطيرة في تركيا كما هو الحال في الدول الرائدة في العالم. وفي مواجهة الوباء الذي أدى إلى انكماش وركود في قطاعات كثيرة في بلدنا، كان القطاعان الأكثر تضرراً بلا شك هما قطاع السياحة وقطاع الطيران.

وأدلى Taner Gündoğan، عضو لجنة تطوير موارد السياحة الجديدة في مسياد، بتصريحات حول الموضوع، وقدّم تقييماً شاملاً حول مستقبل قطاع السياحة والتوقعات وما ينبغي القيام به.

الجمود في السياحة يؤثر على ما يقارب 50 قطاعاً

وأشار Taner Gündoğan إلى أن قطاع السياحة هو القطاع الأكثر تأثراً بالتطورات الداخلية والخارجية، مؤكداً أن القطاع يتسم من هذه الناحية ببنية هشة للغاية. وذكر Gündoğan أنه ليس من الصحيح تقييم السياحة بوصفها قطاعاً واحداً فحسب، مبيناً أن أي خلل يحدث في القطاع يُحدث أثر الفراشة وتظهر تجلياته في قطاعات كثيرة. وقال Gündoğan: “قطاع السياحة يتمتع ببنية عضوية قائمة بذاتها؛ فهو لا يتألف من الفنادق والوكالات فقط. ولقطاع السياحة أكثر من 50 فرعاً جانبياً. ويمكننا أن ندرج ضمنه المطاعم وسائقي سيارات الأجرة والمتاحف بل حتى باعة السميت.”

يجب وضع خطة عمل للجائحة في قطاع السياحة

وشدّد Gündoğan على أن السياحة توقفت مع كارثة الوباء الأخيرة، وقال: “علّقت نحو 95 بالمئة من المنشآت التي تعمل بالإيجار في قطاع السياحة أنشطتها. كما اضطر نحو 90 بالمئة من المنشآت التي تواصل نشاطها السياحي في عقاراتها الخاصة إلى وقف أنشطتها. وفي إسطنبول تراجع عدد ليالي المبيت التي كانت تبلغ عشرة آلاف يومياً في هذه الفترة إلى بضع مئات. وعند هذه النقطة، يتعين على دولتنا وممثلي القطاع تفعيل خطة عمل عاجلة والتحرك بموجبها.”

وأعرب Gündoğan عن أنهم بصفتهم لجنة تطوير موارد السياحة الجديدة في مسياد قد تواصلوا مع المنشآت السياحية المحلية والعالمية منذ الأيام الأولى لبدء الوباء، وقال إنهم حددوا خارطة طريق جديدة بالمخرجات التي حصلوا عليها من الممثلين.

وتحدث Gündoğan عن التدابير والأعمال التي اتخذها العاملون في السياحة بالفعل، ولفت الانتباه إلى المسائل التالية:

“- جميع الفنادق تُعقّم كل غرفها وردهاتها ومناطقها المشتركة عبر شركات تنظيف محترفة،

- تُجرى أعمال الصيانة والإصلاح الفنية الواجب تنفيذها قبل الموسم،

- يُقدَّم لجميع الموظفين تدريب على النظافة وشهادات من قبل فرق محترفة، عن بُعد في الوقت الحالي وعن قرب عند مباشرة العمل،

- يُعاد تنظيم جميع مناطق النزلاء والعاملين في الفنادق وفقاً للتباعد الاجتماعي،

- يُعاد تنظيم المناطق التي يستخدمها النزلاء مثل المسبح والمناطق الرطبة والشاطئ والساونا وصالة اللياقة وفقاً لشروط النظافة والعزل،

- من المتوقع تركيب الكاميرات الحرارية التي وُضعت في المطارات مع فيروس كورونا في الفنادق الكبيرة أيضاً،

- تعقد منشآت الفنادق اتفاقيات خاصة مع الشركات التي تقدم تقنيات النظافة وتربط التنظيف الصحي بشهادات دورية،

- للحد من الأثر النفسي والاجتماعي لفيروس كورونا الذي سيبقى في أذهاننا لفترة معينة، تخطط منشآت الفنادق لتدريبات خاصة واستشارات نفسية للعاملين.”

يجب تشجيع السياحة الداخلية

وتطرق Gündoğan إلى أن هذه التدابير المتخذة في مكافحة فيروس كورونا ليست كافية، مؤكداً أنه من الضروري عند هذه النقطة أن تضع دولتنا أيضاً جملة من التنظيمات. وقال Gündoğan: “على دولتنا أن تضع ¨خطة عمل للجائحة في السياحة¨ دون ترك المبادرة للمنشآت، وأن يُعاد تناول كامل عملية السفر والإقامة للسائح المحلي أو الأجنبي منذ خروجه من منزله وحتى عودته إليه من نواحي الصحة والنظافة والأمن، وأن تُوضع معايير جديدة لجميع المراحل، وأن تُنفَّذ إجراءات إصدار الشهادات وفقاً لهذه المعايير التي ستُعد. وينبغي جعل هذه التطبيقات التي ستبدأ من المطارات أو المعابر الحدودية إلزامية لجميع مكونات السياحة وفي مقدمتها منشآت الإقامة ومركبات النقل. ثم ينبغي استخدام هذه الأعمال في جهود الترويج الدولية لبيان أن سياحة بلدنا جاهزة للمرحلة الجديدة. ونحن في مسياد نجري أيضاً أعمالاً في هذا الشأن بهدف الإسهام مع وزارتنا.

ومع بدء فيروس كورونا في فقدان تأثيره، ينبغي على دولتنا أن تكون مرنة وداعمة في مسألة الإجازات لجميع العاملين (في القطاعين العام والخاص) عبر تخطيط جديد من أجل تنشيط السياحة الداخلية. وعلى دولتنا أن تعلن حوافز ودعماً ينعش السياحة الداخلية. كما ينبغي في هذه العملية تنظيم حملات أو عروض خاصة مدعومة من الدولة لجميع العاملين في القطاع الصحي الذين قدموا تضحيات كبيرة، وتمكينهم من قضاء عطلاتهم مع عائلاتهم بشروط ميسّرة جداً.

يجب تعزيز البنية التحتية للقنوات الإلكترونية

وأكد Gündoğan أن ما ينبغي القيام به لا يقتصر على ذلك، وقال: “على دولتنا أن تعيد تنظيم مواعيد فتح المتاحف وإغلاقها حتى نهاية العام. فعلى سبيل المثال، ينبغي أن تُباع تذاكر المتاحف في بلدنا أيضاً، كما هو الحال في الخارج، بنظام المواعيد وفي أوقات محددة لكل شخص، وبذلك يُحال دون الازدحام الذي قد ينشأ. وإلى جانب تطبيق ذلك بسرعة، ينبغي تقديم تخفيضات موجهة إلى السياحة الداخلية في المتاحف والمواقع الأثرية وما شابهها حتى نهاية العام. كما ينبغي أن تعيد الدولة تنظيم المسائل المهمة مثل نظام كل شيء شامل ومفاهيم البوفيه المفتوح واستخدام المسابح والشواطئ، ولا يجوز إطلاقاً تركها لمبادرة المنشآت. وينبغي إعادة تحديد معايير الصحة والنظافة والأمن لجميع منشآت الإقامة ومركبات النقل، ومنح الشهادات للمنشآت الملتزمة بالمعايير. واليوم يقوم السياح المحليون والأجانب الراغبون في الحصول على خدمة سياحية بشراء خدماتهم السياحية عبر القنوات الإلكترونية بدلاً من التوجه مباشرة إلى الوكالات. ولهذا نرى أن على ممثلي القطاع الخاص ودولتنا على حد سواء إيلاء مزيد من الأهمية للبنى التحتية في هذا الشأن.”

علينا أن نبدأ من الآن بأعمال الترويج لعام 2021

وأكد Gündoğan أن التعافي في قطاع السياحة لا يمكن تحقيقه بالكفاح الوطني وحده، ولفت الانتباه إلى أن الكفاح العالمي الفعّال أمر لا بد منه. وذكر Gündoğan أنه سيكون من الأجدى اعتبار هذا العام عاماً ضائعاً، وقال: “خلافاً للدول المتقدمة علينا في السياحة، ولأن إيرادات السياحة في بلدنا تأتي في الغالب من السياحة الخارجية، فإننا مرتبطون بالعالم الخارجي في مسألة بدء تحرك السياحة في بلدنا. نحن كدولة على وشك كسب هذه الحرب ضد الفيروس، لكن لكي يأتي السياح من الخارج عليهم هم أيضاً أن يستعيدوا عافيتهم. ومن المتوقع أن يكون هذا التحرك في السياحة الداخلية في بلدنا نهاية يونيو. وفي ظل كل هذه الظروف، ولأن الحركة السياحية لعام 2020 ستنحصر في أفضل الأحوال في الربع الأخير من العام، علينا أن نولي من الآن اهتماماً بالغاً بأعمال الترويج والعلاقات العامة لعام 2021. وشهادات النظافة الإلزامية التي كانت تُطلب سابقاً في إدارة الفنادق من قسمي الأغذية والمشروبات والمطبخ فقط ستُطلب الآن من جميع مكونات السياحة، والدولة ستدعم ذلك. وعلينا أن نستخدم هذا الوضع الخاص في أعمال العلاقات العامة التي نعرّف بها ببلدنا.”

وأعرب Gündoğan عن أن تأسيس وكالة تطوير وترويج السياحة التركية (TTGA) كان صائباً جداً، غير أن تكوين ميزانية هذه الوكالة من القطاع الخاص وحده لا يبدو ممكناً في هذه الفترة، وقال: “دعم قطاع السياحة حتى اليوم كثيراً من مؤسسات القطاعين العام والخاص بشكل مباشر أو غير مباشر عبر ما دفعه من ضرائب وصناديق ورسوم وما شابهها من مدفوعات. وبمناسبة هذا الوباء ينبغي إجراء تنظيم قانوني جديد وضمان تحويل المؤسسات المذكورة أموالاً منتظمة إلى TTGA. فعلى سبيل المثال، ينبغي أن تسهم في ميزانية الوكالة المؤسسات التي حققت حتى اليوم دخلاً مادياً من التأشيرات الممنوحة ومن عبور الطرق البرية ومن الطلاب الأجانب ومن الرحلات الجوية ومن أنشطة الحج والعمرة، إلى جانب هيئات مثل الغرف والمعابر الحدودية وإدارة الهجرة.”

يجب التخطيط وفق مفهوم العطلة الذي سينشأ بعد الوباء

وتطرق Gündoğan إلى أن وباء فيروس كورونا سيغير كثيراً من عاداتنا من الناحيتين النفسية والاجتماعية، وذكر أن هذا الوضع قد يؤدي أيضاً إلى انكسارات خطيرة في مفهوم السياحة. وقال Gündoğan:” قد تفسح السياحة الجماعية المجال أمام السياحة المعزولة؛ والبوفيهات المفتوحة أمام قوائم الطعام المحددة، والفنادق الكبيرة أمام الفنادق البوتيكية والمستقلة والفلل والخيام، والمسابح والبحر أمام الطبيعة والمرتفعات. وعلينا أن نجري استعداداتنا آخذين كل هذه التغيرات بعين الاعتبار.

أما سياحة المؤتمرات التي ستكون خسارة كاملة في عام 2020، فعلينا أن نجري استعداداتنا للنصف الثاني من عام 2021 في أقرب وقت وأن نخطط أعمالنا الترويجية بناءً على ذلك. وكما سيكون الحال في سياحة الرحلات البحرية، سيتعين علينا مع الأسف أن نتجاهل جزئياً بعض فروع السياحة التي لا يمكننا الحصول على استجابة فيها لما نبذله، أو أن نمضي فيها بتغييرات جذرية. ومع ذلك ينبغي أن تدعم الدولة أكثر، اغتناماً لفرصة عام 2021، فروع السياحة الممكنة جداً في بلدنا مثل الغوص والكرفانات والقرى والخيام والطبيعة والمغامرة والشتاء وما شابهها.”

وأشار Gündoğan إلى أن وباء فيروس كورونا سيؤدي أيضاً إلى تغييرات خطيرة في مفهوم النقل العام، وقال: “السياح الذين سيأتون إلى بلدنا سيرغبون من الآن فصاعداً في استخدام سيارات يستأجرونها بأنفسهم في المطار بدلاً من ركوب سيارات الأجرة، وفي الابتعاد عن جميع وسائل النقل العام. ومع ذلك ينبغي وضع شروط جديدة لسيارات الأجرة لدينا، وأن يُعزل مكان السائق عن قسم الركاب ويُصمَّم بشكل منفصل بمقصورات خاصة، كما هو الحال في بعض الدول الأجنبية.”

واختتم Taner Gündoğan، عضو لجنة تطوير موارد السياحة الجديدة في مسياد، كلامه قائلاً: “السياحة، إلى جانب كونها قطاعاً يتأثر بالأحداث بسرعة كبيرة، هي في الوقت نفسه قطاع شديد الحيوية. لقد تجاوز قطاعنا حتى اليوم محناً متنوعة مرات عديدة -وإن لم تكن بهذه الشدة- لكنه في كل مرة تمكن من لملمة نفسه وتحطيم الأرقام القياسية من جديد. ونحن على ثقة تامة بأننا سنتجاوز هذه الأيام الصعبة أيضاً بالعمل مع وزارتنا وقطاعنا الخاص، وبأننا سنبلغ الهدف الذي حددناه لعام 2023 وهو 75 مليون سائح و65 مليار دولار من الإيرادات. بل إن مثل هذه الفترات يمكن أن تكون فرصة أيضاً لتقديم بلدنا على منافسينا بالاستراتيجيات الصحيحة.”