مجلس التعليم العالي (YÖK) - مهن المستقبل وتخطيط التعليم
نص خطاب الندوة
5 نوفمبر 2019
قبل مناقشة مهن المستقبل، لا بدّ من تعريف مفهوم “المستقبل”. إن تحديد المهن التي ستتصدر المشهد في المستقبل ليس مساراً يجري على النحو ذاته في كل بلد. فكما أن المجتمعات لا تُظهر المستوى نفسه من التطور في التكنولوجيا والتحول الرقمي، فإنه لا يصح كذلك وضع تعريف موحّد على صعيد الاحتياجات الثقافية والاجتماعية. إن ساعة التاريخ لا تشير إلى العقرب ذاته في كل مجتمع. ووصف ذلك مباشرة بـ“التخلف” يقودنا إلى تصنيف خاطئ. ذلك أن الشيفرات الثقافية والاجتماعية لكل مجتمع هي التي تحدد صناعته وفهمه للإنتاج وتقاليده؛ والقطاعات التي لا غنى عنها لذلك المجتمع، أي مستوى تخصصه. وإذا أردنا ضرب مثال هنا، فإن “تحليل مراكز الاتصال” الذي أجراه اتحاد المصارف التركية يقدّم نتائج مثيرة للاهتمام. فأكثر من نصف العملاء ما زالوا لا يفضّلون التحدث مع تسجيل صوتي رقمي ويطلبون التحويل المباشر إلى ممثل خدمة العملاء. ومن اللافت في التحليل ذاته أن أكثر من %60 من شكاوى العملاء الموجهة إلى ممثلي خدمة العملاء جاءت على النحو التالي: “لماذا لا أستطيع الوصول إليكم مباشرة” أو “أريد التحدث مع إنسان، والصوت الرقمي يوجهني باستمرار إلى المكان الخطأ”. وبطبيعة الحال فإن متغيرَي العمر ومستوى التعليم مهمان هنا؛ غير أن الشيفرات السلوكية لإنسان بلدنا ما زالت تشير إلى أن اللقاءات المباشرة وسيلة أكثر فاعلية في حل المشكلات.
نحن الآن بصدد إنشاء مركز اتصال مسياد. والسبب واضح تماماً: فأعضاؤنا حين يقدّمون طلباتهم أو شكاواهم يعوّلون على العنصر البشري.
وهناك نقطة أخرى مختلفة: صحيح أن ارتفاع مستوى التعليم يسهّل التكيف مع التحول الرقمي؛ غير أن الشعور بالوحدة وانعدام الانتماء الناجم عن الابتعاد عن القيم الاجتماعية يترك الأفراد في مواجهة مشكلات شخصية لا اجتماعية أكبر بكثير.
وخلاصة القول: إن وضع تخطيط منفصل عن المجتمع وعن الشيفرات الاجتماعية أثناء تعريف مفهومَي “التحول والحاجة” قد يوقعنا مستقبلاً في مأزق على صعيد الاستدامة.
بعد هذا التقييم العام يمكننا إجراء مشاوراتنا في موضوعات مهن المستقبل والتخطيط المهني. أي علينا أولاً أن نعرف المجتمع، وأن نُحسن التخطيط لرؤانا العامة من قبيل: “أين نريد أن نكون في المستقبل؟” و“أي قطعة من الأحجية العالمية تريد تركيا أن تمثّلها في المستقبل؟”. إن التعليم والتأهيل المهني مهمان للغاية بلا شك، لكن على أي أساس، أي وفق أي معايير سننجز ذلك؟ أين
سنضع أنفسنا حتى نوجّه أجيالنا وفقاً لذلك من حيث المجالات المهنية؟
وأخيراً هناك مسألة أخرى: هل نعرف شبابنا ومواهبهم والمجالات التي يميل إليها الجيل الجديد أكثر؟ أي هل لدينا دراسة لتحديد “إدارة المواهب”؟ هذه الأسئلة جميعها ينبغي أن نجيب عنها في بداية الطريق تماماً. وإلا فإننا، إن لم نحدد نماذجنا الأساسية تحديداً صحيحاً، سنظل ندور في حلقة مفرغة من جديد.
وكما حدث مع الزيادة الهائلة في خريجي “قسم أو كلية إدارة الأعمال” الذي فضّلناه في حينه لأن عائده مرتفع وتكلفته منخفضة، فقد نجد أنفسنا مستقبلاً أمام مشكلة توظيف مجموعات مهنية أخرى ربما لن نتمكن من الاستفادة منها إطلاقاً.
1. تحديد المشكلات وتحليل الاحتياجات
من دون تقييد ما سيأتي به المستقبل، ينبغي تعريف المهن انطلاقاً من التخصصات الأساسية بمنهج قائم على النقل (transferable skills)، وينبغي تشكيل البنية التحتية الاجتماعية والاقتصادية لتركيا وفقاً لذلك. وعند تقييم مهن المستقبل يجب تحليل متغيرات المرحلة تحليلاً جيداً، وتقييم التعليم المهني وما قبله وما بعده على أساس مشترك.
إن تحليل الاحتياجات ليس مسألة تتعلق فقط بالمكان الذي تريد الدولة أن ترى نفسها فيه؛ بل ينبغي إبراز الفرق بين “التعليم” و“التأهيل المهني” إبرازاً جيداً. لا شك أن الجامعة والمعهد العالي أو المدارس الثانوية مؤسسات أُنشئت باسم التأهيل المهني، لكن هل يصح القول إن الشباب الذين يتخرجون منها قد تلقّوا
تعليماً حقيقياً؟ فكما أن العمل والمهنة مفهومان منفصلان، فإن المهنة والتعليم يحملان بالقدر ذاته تعريفين منفصلين. فالإدارة مثلاً ليست مهنة بل عمل. غير أن غالبية الشباب الخريجين يقفون أمامنا وهم لا يرضون بأي عمل، ظنّاً منهم أنهم سيصلون بعد عام أو عامين إلى منصب “مدير”.
ولهذا السبب أيضاً لا يستطيعون تقديم إجابة واضحة عن سؤال: “ما مهنتك؟”. الإدارة عمل، بل هي منصب. وهي شكل من أشكال التكليف لا يُنال بالمعرفة المهنية وحدها، بل كذلك بالتكيف مع ثقافة المؤسسة واحترام القيم الأخلاقية والجدارة والولاء المؤسسي وعملية تدريب داخلي طويلة، وبالخبرة بطبيعة الحال.
وعلى الجانب الآخر من تحليل الاحتياجات تقف رغبات الصناعي، أي صاحب العمل، ومطالبه. وينبغي أن تكون الإجابة عن سؤال “ماذا نريد نحن؟” واضحة أيضاً. إن أصحاب العمل كثيرو المطالب في هذا الشأن. وأنا بصفتي صاحب عمل أؤكد هذا الرأي. فلدينا مطالب مثل الأداء العالي وإنجاز العمل من دون أخطاء والرضا باكتساب الخبرة مقابل أجر منخفض واحترام التسلسل الهرمي في نظام الأمر والطاعة والتكيف مع ثقافة المؤسسة وما إلى ذلك. وإلى جانب ذلك نطلب بالطبع المهارة اليدوية والعملية وسرعة التعلم وبنية شخصية طموحة لكنها لا تتعارض مع الأخلاق الشخصية. ولا شك أن فئة أصحاب العمل محقة من وجهة نظرها؛ غير أن هناك أمراً يغيب عنا: “هل يستطيع نظامنا التعليمي أن يحقق دورة تدريبية تلبي كل هذه المطالب؟
وهناك مشكلة أخرى: إلى أي مدى يحمل الجيل الجديد معايير الجيل السابق من صبر وقناعة وتفكّر وتوكّل واحترام وقبول، أو هل هو ملزم بحملها أصلاً؟ نحن نتحدث عن الجيل Z، أليس كذلك؟ فإلى أي مدى نعرف نحن، بصفتنا فئة أصحاب العمل، هذا الجيل؟
في الأشهر الماضية أجرى مكتب الموارد البشرية برئاسة الجمهورية دراسة استقصائية واسعة النطاق على الموظفين العموميين في تركيا ونشر نتائجها. وقد واجهتنا مجموعة أسئلة تشمل جميع المتغيرات: العمر ومستوى التعليم والفوارق الثقافية والفوارق العرقية. وكان يُنتظر من استبيان كهذا أن يكشف خريطة المواهب في تركيا؛ غير أن ما ظهر هو أوجه عدم التوافق بين العمل والعامل، أي بين العمل ومن يؤديه. أي إن إحدى مشكلاتنا الأساسية قد تكشّفت: هل نوظّف الشخص المناسب في العمل المناسب؟ وكيف نُعِدّ الشخص المناسب للعمل المناسب؟
أماكن العمل هي في حقيقتها مدارس للخريجين الجدد. ولهذا السبب عرّفنا مسياد بأنها “مدرسة”. وها نحن الآن نحوّلها إلى “أكاديمية”. أي إننا نعيد هيكلتها على شكل أكاديمية تُخرّج رجل أعمال أو
بيروقراطياً أو تكنوقراطياً. ذلك أن الحياة المدرسية ليست سوى بنية مؤسسية تمنح شبابنا معرفة بالمعنى المهني فحسب؛ في حين ينبغي أن يكون عالم الأعمال مكاناً يصوغ أولئك الشباب. وثمة مسألة أخرى هي ضرورة تقديم تدريب لشبابنا في مجال “أخلاقيات العمل والآداب المؤسسية”.
2. تكييف بنية ISCED المطبَّقة عند الانتقال إلى
نظام التعليم الأوروبي بما يلائمنا
صُمّم تصنيف ISCED (التصنيف الدولي الموحّد للتعليم) الذي طوّرته اليونسكو (منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة) بوصفه أداة مناسبة لجمع إحصاءات التعليم والمؤشرات القابلة للمقارنة وتصنيفها وعرضها على المستويين الوطني والدولي. ويقدّم ISCED مفاهيم وتعريفات وتصنيفات معيارية. وقد نُشر ISCED لأول مرة عام 1976 ثم جرت مراجعته عام 1997، واستخدمته حتى يومنا هذا دول كثيرة لأغراض مثل رسم السياسات التعليمية والمساعدة في جمع البيانات الإحصائية. وفي عام 2010 دخلت اليونسكو في عملية تشاور جديدة مع جميع الأطراف المعنية بالتعليم وشاركت وثيقة ISCED 2011 التي أعدّتها بصيغة مسوّدة.
يوفّر ISCED-1997 مجموعة متطورة من التعريفات والمعايير تهدف إلى ضمان القابلية للمقارنة الدولية في تصنيف البرامج التعليمية بحسب مستوى التعليم ومجالاته.
أُريد لـISCED-1997، كي يكون عالمياً من حيث البنية، أن يكون قابلاً للتطبيق بصرف النظر عن مستوى تطور النظام التعليمي في البلدان. وقد صُمّم ليؤدي دور أداة لتجميع وعرض إحصاءات التعليم ومؤشراته القابلة للمقارنة على مستوى كل بلد على حدة وفيما بين البلدان. غير أننا نرى أنه ليس لدينا منظومة تعليمية متوافقة بالقدر الكافي مع نظام ISCED لمعالجة الصعوبات الجدية في إعداد الكوادر الوسيطة. ففي منظومتنا إما مدارس ثانوية وما يعادلها، وإما معاهد مهنية عليا أو جامعات. أما الدراسات العليا والدكتوراه فتجد مكانها ضمن رمزَي ISCED 5 و6. لكن عند دراسة البنى التعليمية في بلدان مثل رومانيا وبولندا خصوصاً وفي بلدان الاتحاد السوفييتي السابق ضمن تقرير التعليم 2030 الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية،
نرى أن نظام ISCED + c قد نُقل إلى المنظومة على شكل شهادة ثانوية معادلة للشهادة الجامعية. ونحن لا نتحدث هنا عن مدارس الجمنازيوم (Gimnasium) فحسب. بل نقصد أن تُمنح المدارس الثانوية المهنية المتخصصة صلاحيات أوسع بكثير وأن تُصمَّم على شكل نماذج وسيطة تلبي الحاجة إلى كوادر وسيطة عالية الكفاءة عبر امتحانات أهلية للشهادة.
لقد أنشأنا بصفتنا مسياد “لجنة” في هذا الشأن، ونحن على وشك إنجاز دراسة واسعة النطاق. وهدفنا الابتعاد قليلاً عن ضرورة الافتتاح المستمر للجامعات، وإعادة ما كان لمفهوم خريج الثانوية من جاذبية وكفاءة في ستينيات القرن الماضي. ذلك أن الهوس بتخريج أعداد جامعية متواصلة بات للأسف عاملاً يرهقنا اجتماعياً. فعجزنا عن إقناع الخريجين المفرطين في الحماس بقبول عمل ما، وعن شرح أهمية الذاكرة المؤسسية لهم، يضع فئة أصحاب العمل في أزمة نقص الكوادر. انظروا، نحن نتحدث هنا عن معضلة جدية للغاية: فئة أصحاب عمل تعاني نقص الكوادر في مقابل معدل بطالة بين الشباب يصل إلى %14.
3. وضع مناهج جديدة للمهن
التقليدية
كنا متحمسين جداً حين افتتحنا قسم إدارة الأعمال أو كليتها. لننظر بإيجاز في تاريخه: أصل الكلمة في الحقيقة Gestion، وهي لاتينية تعني الوكالة على شؤون البيت. وقد كان موجوداً دائماً؛ وفي القرن التاسع عشر، إذ اضطرت الإمبراطورية العجوز المُتعَبة إلى مسايرة قواعد التجارة المتغيرة، بدأت بتدريسه في نظارة المعارف. أما وثبته الكبرى فقد جاءت في مطلع الثمانينيات حين شهدنا أوسع قفزاتنا نحو العالم الخارجي. وبفضل رجاحته واكتمال أركانه وقربه من التغيير وجد لنفسه بسرعة مكاناً في أشهر الجامعات التركية. لم يكن قسماً باهظ التكلفة كافتتاح كلية للطب أو الهندسة، طويل الإطفاء، يتطلب استثماراً عالياً وكوادره المتخصصة محدودة. ولم يكن قسماً كافتتاح كلية الحقوق التي يستقر ملاكها على توازنات معينة وتصلّبت، وتبعتها ثقيلة والجدل حولها كثير. ولم يكن قسماً كافتتاح كلية الفنون الغامضة المعايير المتنازَع في ضرورتها الإشكالية في أصالتها. أما كليات اللغة والتاريخ والجغرافيا (التي صار اسمها لاحقاً العلوم والآداب) فكانت إلزامية “de jure”. أما افتتاح قسم إدارة الأعمال أو كلية العلوم الاقتصادية والإدارية فلم يكن يتطلب استثمارات كبيرة وعريقة عدا إعداد منهج وإيجاد أساتذة مقبولين يستطيعون تدريس المقررات المشتركة الكثيرة أصلاً. ولم يكن لزاماً أن يكون دواءً لداء؛ إذ لم نكن بعدُ في وارد التفكير في ماهية دائنا. أي إننا مرة أخرى لم نضع تخطيطاً. كنا سنُخرّج شباباً نجباء لا يعرفون الإنتاج
لكنهم يعرفون التجارة ويتقنون لغة أجنبية، ثم نصبح بهم عملاق التصنيع بالوكالة في العالم. برأس مال قليل،” ضع واحداً وخذ خمسة” — منطق كان على مقاسنا تماماً. ومع سياسة إعلانية مبالغ فيها وتقليد برّاق لنظيراتها في أمريكا، وجد كل والد تقريباً في تلك السنوات أن ابنه جدير بإدارة الأعمال. ثم أفلت زمام الأمور! ورفعت إدارة الأعمال راية النصر وحدها. كانت أحلام الشباب كبيرة: فبعد تعليم من أربع أو خمس سنوات لا مسطرة فيه ولا سماعة طبية ولا كتاب سميك ولا ضبط دقيق، تعليم يناسب كل ميزانية، حلموا بمناصب الرئيس التنفيذي التي تنتظرهم في الشركات الكبرى، فأصيبوا بخيبة أمل؛ لأنهم تجاهلوا معيار المنافسة والوقت اللازم لاكتساب الخبرة. نحن بصفتنا فئة أصحاب العمل لا نريد خريجي إدارة الأعمال. ولماذا؟ لأنهم لا يأتون إلينا بمنهج مناسب. انظروا ماذا فعلنا ونحن نُعِدّ خريجي إدارة الأعمال. لنُعدّد ذلك صراحةً كي لا نرتكب الأخطاء ذاتها مستقبلاً عند تصميم مهن المستقبل:
“لا حاجة لأن يعرف الاقتصاد كالاقتصادي”
“لا حاجة لأن يعرف المحاسبة كخبير المالية”
“لا حاجة لأن يعرف التمويل كعالم الرياضيات”
“لا حاجة لأن يعرف الرياضيات كالإحصائي”
“لا حاجة لأن يعرف الإعلان كأخصائي الاتصال”
“لا حاجة لأن يعرف العقود كالحقوقي”
“لا حاجة لأن يعرف الإنتاج كالمهندس”
“لا حاجة لأن يعرف الحاسوب كأخصائي المعلوماتية”
“لا حاجة لأن يعرف التاريخ كخريج العلوم السياسية”
“لا حاجة لأن يعرف التعريفات كالمؤرخ”
“لا حاجة لأن يعرف الإنسان كعالم النفس”
“لا حاجة لأن يكون نقدياً كالفيلسوف”
لا ولا ولا! قلنا: “يكفي أن يعرفها معرفة سطحية…” وأوكلنا مؤسسة بنيوية إلى من يعرفها سطحياً. وهذا ما يُسمى الهدر التعليمي.
لن نتمكن من التخلي عن المهن التقليدية بهذه السرعة. لكن في وسعنا أن نضيف إلى مناهجها مقررات من تخصصات وفروع مختلفة، أو أن نزيد إلزامية التدريب
الميداني. ونحن لا نقصد هنا نهج التعليم متعدد التخصصات؛ فذلك جانب سيلزم التطرق إليه أيضاً. إنما نتحدث هنا فقط عن إثراء الفروع المهنية التقليدية وتحديثها عبر مقررات من تخصصات مختلفة لكنها قريبة منها. فمثلاً لا بد من تعزيز الشباب الذين يدرسون الاقتصاد بمقررات في الرياضيات والمقررات القطاعية وعلم النفس الاجتماعي والقانون والحاسوب. وبالمثل ينبغي إثراء شبابنا الذين يدرسون إدارة الأعمال أو المحاسبة والمالية بتدريبات في الدبلوماسية العامة وقانون الضرائب والاقتصاد والتمويل والنمذجة. ومثال آخر: لنأخذ القانون. إنه فرع مهني لا غنى عنه تماماً كالطب، أليس كذلك؟ لكن ابتعاد الحقوقيين عن مقررات مثل الاقتصاد وإدارة الأعمال وإدارة الجودة والإنتاج الصناعي والهندسة الصناعية يتركهم للأسف عاجزين في ظروف السوق. وخلاصة الأمر أن قدوم مهن جديدة أمر حتمي بلا شك، لكن من الضروري أيضاً أن يخضع الخريجون الحاليون، وكذلك شبابنا الذين ما زالوا يدرسون في المهن التقليدية ريثما نُكمل تخطيطنا، لتحديثات في المناهج تُعدّهم لمتطلبات العصر الجديد.
4. الفهم الجيد لمفهوم هندسة النظم و
إعداد مديري المستقبل
المقصود هنا ليس تعليم هندسة النظم الكلاسيكي الذي يُدرَّس في الجامعات التقنية. فهندسة النظم في الجامعات التقنية شكل من أشكال الهندسة يقوم على النمذجة من التصميم إلى الإنتاج النهائي وما بعده من عمليات، وهي تخصص بيني. أما ما نقصده هنا فهو إعداد شباب يصممون النظام كما يصممه المهندس. المقصود هنا اصطياد المواهب. فهؤلاء الأطفال والشباب موجودون بيننا وينتظرون بصمت أن يُكتشفوا. وبالتعبير الدارج، لا تستطيعون إبقاء هؤلاء الأطفال الموهوبين ثابتين في مجال واحد. فالمجال الواحد لا يكفيهم ولا يشبعهم. وأنا شخصياً أقول إنهم عدّاؤو ماراثون بالفطرة. وينبغي ألا نفكر في هندسة النظم في الحقل التقني وحده، بل أن نتناولها بوصفها نموذجاً إدارياً، بل ملمحاً للمدير. وعلى هذا يمكن القول: نعم، إن ملمح مدير المستقبل هو مهندس النظم. فهم منفتحون على الانتقال بين التخصصات، وتمريرهم بتعليم متعدد التخصصات يعني في الواقع حلّ عملية كان سيقوم بها عدد كبير من الكوادر وربما تواجه مشكلات في التزامن، عبر شخص أو
شخصين، وذلك بهدف تطبيق تقنيات إدارة العمليات وإدارة الأزمات وحل المشكلات واتخاذ القرار. إن مهندسي النظم يضمنون اجتماع جميع عناصر النتيجة المرجوة على نحو متقن ووظيفي. ثم يحددون تفريعات جميع الأنشطة التخصصية ويصممون العمليات التي ستُنفّذ من خلالها الأعمال. والأهم من ذلك أنهم يؤمّنون تنسيق معلومات التصميم مع فرق التخصصات الثابتة. ونحن بحاجة إلى سياسة تعليمية وتخطيط منهجي منفصلين لإعداد مهندسي النظم.
5. استعادة تقليد ENDERUN وARİFAN
وما دمنا قد تحدثنا عن هندسة النظم، فلا بد أن نقول بفخر إننا نحن من قدّم إلى العالم منظومة إدارة المواهب وإعداد الكوادر المفتاحية للنظام. فمنذ نظام الملك استمر تقليد إدارة الدولة التركي في حقيقته على اختيار الشباب وتصنيفهم بحسب مواهبهم وغرس القيم الثقافية فيهم وتقديم تدريبات لهم في شؤون إدارة الدولة. ذلك أن التعليم وحده لا يكفي. فجوهر المسألة أن يكون التعليم متعدد الجوانب. ومن الأساسي أن نُنشئ تربية على القيم وعقولاً صافية منفتحة على الجديد في آن واحد. وقد رأينا أن المعرفة الأكاديمية الصرفة المنقطعة عن المعرفة الصناعية وعن الميدان ليست كافية في الواقع. ولهذا السبب نحن بصدد تأسيس مدرستَي MÜSİAD ENDERUN وMÜSİAD ARİFAN. وهدفنا إعداد رجال أعمال ذوي كفاءة عالية، وكذلك تعريف إدارة المواهب والتخطيط لها بما يتوافق مع مهن المستقبل.
6. مساعدة طلاب جامعاتنا في الوقت نفسه على
تطويرهم الشخصي
الجامعة مؤسسة تعليمية؛ لكن الحياة تتطلب أن يكون المرء متعدد الجوانب وفاعلاً. إن معدلات مشاركة خريجي جامعاتنا وطلابها في منظمات المجتمع المدني منخفضة للغاية. ولا ينبغي أن ننسى بالطبع أن ذلك نابع أيضاً من مشكلات الكوادر والإدارة في بنى منظمات المجتمع المدني في تركيا. غير أن الشباب ينضجون في هذه الأماكن ويكتمل عودهم فيها. وتولّي الشباب مهام فاعلة في منظمات المجتمع المدني هو بمثابة محاكاة لحياتهم المقبلة.
نحن نهدف في إطار مسياد الشباب إلى أن يتعرّف الشباب على الصناعة والقطاعات في سن مبكرة جداً وأن يكتسبوا الخبرة. ولهذا الغرض جدّدنا بنية مسياد الشباب لتكون أكثر فاعلية وتشاركية بكثير. وثمة
مسألة أخرى هي أن الشباب الذين يستعدون للمستقبل لا يبذلون جهداً في تطويرهم الشخصي. وما هذه الأمور؟ نحن أمام جيل بعيد عن القراءة والبحث. لم تكن القراءة هواية لوقت الفراغ؛ بل هي ضرورة. تبدأ في سن مبكرة جداً وتضع المرء وجهاً لوجه أمام احتمال وجود حيوات أخرى. أي إنها تترك المرء وحده مع نفسه. فالإنسان القارئ يمتلك القدرة على الابتكار، ويطوّر ملكة التعاطف، ويعبّر عن مشاعره بيسر أكبر بكثير. أما من لم يكتسب عادة القراءة في شبابه فلا نستطيع للأسف التدخل معه بعد سن الأربعين. ومن المستحيل على إنسان لا يقرأ أن يجدد نفسه أو يعيد إليها نضارتها. وأعتقد أن غياب عادة القراءة هذه يكمن أيضاً في أساس مشكلات تعلّم اللغات لدى الشباب في تركيا. فكلما ابتعدوا عن مفهوم الفضول ظنّوا أنهم سعداء بالحياة التي بين أيديهم. لكنهم لأنهم لا يعرفون القناعة أيضاً، يواصلون للأسف حياتهم العملية وسط خيبات الأمل، بسرعة عالية وقدرة أو رصيد منخفض. ويمكننا القول إن جيلاً تعيساً قادم. أي إن خلاصة الأمر: الطموح العالي يحتاج إلى دقة عالية!
7. كيف ينبغي أن تُدار الجامعة
حتى الآن نظرنا دائماً إلى جانب الشباب في التعليم والتأهيل المهني. لكن كيف ينبغي أن تكون المؤسسة نفسها؟ وهذه إشكالية أخرى. في تركيا يوجد في الواقع نوعان من الجامعات: الجامعة الحكومية وجامعة الوقف. ولا نرى للأسف أن مفهوم الجامعة الخاصة يُدار كما ينبغي. فإذا كانت معايير الإدارة والتعيين ووضع المناهج ومحدداتها متطابقة تقريباً في كلا النوعين، فهل يقتصر الفرق بينهما على وجود مجلس أمناء لأحدهما؟ ما زلنا بعيدين جداً عن تصور لجامعة مخصصة للشركات، أي تستجيب مباشرة لاحتياجات الصناعة. وثمة مشكلة أخرى: هل يجب على كل جامعة أن تفتح كل تخصص؟ لقد تفاءلنا كثيراً حين بدأ افتتاح الجامعات المتخصصة. ذلك أن هذا الأمر يجلب معه مستوى عالياً من التخصص وفرص التدريب العملي. ونرى في الوقت نفسه أنه يكسبنا كوادر وسيطة ومديرين في تحديد استراتيجيات خاصة بعالم الأعمال. غير أن الجامعة المتخصصة أُنشئت للأسف في بلدنا بمنطق “الفندق البوتيكي”. ولا شك أن إنشاء أماكن ذات ميزانيات ضخمة وإمكانات حرم جامعي غير محدودة وتحديد مواقعها استثمارات باهظة التكلفة. ويصعب أن تتحملها شركة واحدة بمفردها. لكن هل كنا مضطرين إلى إنشاء جامعة؟ انظروا، إن وفرة إمكانات الحرم الجامعي وعدم تشتته في مبانٍ متفرقة يؤثران مباشرة في جودة
الخريجين. لقد تعرّفت تركيا اليوم على مفهوم “جامعة العمارة السكنية”، وقد جلب ذلك للأسف خسارة في السمعة. فما الجامعة البوتيكية أو الجامعة المتخصصة؟ إنها أماكن تجمع تخصصات معينة وتُعِدّ كوادر نحو هدف دقيق بمناهج متعددة التخصصات تمتد بين تلك الفروع. وهكذا ينبغي أن تكون. كما أن إدارة الجامعة لا تقتصر على امتلاك نضج أكاديمي فحسب. فالجامعة في نهاية المطاف تتألف، تماماً كالشركة أو المؤسسة، من دوائر وأقسام كثيرة. بينما رؤساء جامعاتنا أساتذة متخصصون في مجال بعينه. أي إنه لا بد من الرقابة الصارمة على الإدارة، ومن أن تتمكن كل جامعة من توليد ميزانيتها وأموالها كي تكون أقل عبئاً على الدولة. وهذا بدوره يمر عبر تخطيط أنشطة أكثر فاعلية في إعداد المشاريع وتطوير الأعمال وتنفيذها. وهنا إما أن تُدعَم إدارة الجامعة بمديرين محترفين، أي أن يُستحدث منصب نائب رئيس، وإما أن يُعاد تعريف صلاحيات ومسؤوليات منصب الأمانة العامة على شكل نائب رئيس إداري. وعلينا أن نتناول مشكلات إدارة الجامعات على حدة أيضاً.
8. شراكات الأكاديميا والصناعة والقطاع العام
لا يمكن فصل هذه القطاعات الثلاثة بعضها عن بعض، غير أن لها ثلاث مشكلات مشتركة: التزامن والتواصل والاعتماد. فالأكاديميا والقطاع العام والصناعة لا تتحرك بتزامن. أي إنها لا تستطيع أن تحدد بوضوح مجالات إسهام كل منها في مشروع مشترك. ولا يفهم بعضها هموم بعض ولا لغته. وهي ليست معتمدة دولياً بقدر نظيراتها في الخارج. وفي النهاية فإن إقامة بنية كهذه على المستوى الوطني أمر أساسي. وقد أنشأنا بصفتنا مسياد لجنة التعاون بين الأكاديميا والقطاع العام والصناعة ومتابعة المشاريع لهذا الغرض. وهدفنا أن نجعل هذه القطاعات الثلاثة تعمل معاً بانسجام في مجالات إعداد المشاريع والتمويل وإعداد الكوادر وتطوير التشريعات والرقابة، وأن نخرج بنتائج مثمرة. وبفضل انتشارنا الفاعل في 311 نقطة بصفتنا مسياد، لدينا بروتوكولات على مستوى رئاسات الجامعات والعمادات مع أكثر من 100 جامعة. ونحن الآن نعيد صياغة هذه البروتوكولات مع بروتوكولات جديدة لتكون سبباً في مشاريع جديدة تماماً. وهذه أيضاً إحدى نتائج عملية التجديد لدينا.
الخلاصة:
وباختصار، القدرة على التوجه إلى مجالات عمل مختلفة كثيرة؛
- تعليم قائم لا على المعرفة بل على النقل (transferable skills)
- نهج متعدد التخصصات انطلاقاً من الفروع الأساسية
- مناهج يُخفَّض فيها العبء الدراسي ويُزاد فيها التفاعل
- تسريع التكيف مع احتياجات العالم الرقمي
- إقامة أنظمة ذات بنية ديناميكية في المؤسسات
- أفراد مندمجون في العالم بأسره
- ينبغي إعداد أفراد أصحاب رؤية أعدّوا أنفسهم للمنافسة على المستوى العالمي لا للمنافسة على المستوى المحلي.
ومن أجل ذلك؛
1. لا بد من إبقاء الكفاءات في تركيا:
إن إبقاء الأشخاص المؤهلين في تركيا لا يقل أهمية عن إعدادهم. وعند التخطيط لمهن المستقبل ينبغي أن تُؤخذ في الحسبان أيضاً البيئات التي يستطيع فيها الشباب الذين أكملوا تعليمهم أن يعملوا في تركيا: عالم الأعمال وبيئتا الدولة والأكاديميا. ذلك أن شباب المستقبل كثيرو المطالب بقدر ما أن مهن المستقبل متغيرة وكثيرة المتطلبات.
ولهذا السبب فإن عدداً كبيراً جداً من الشباب الذين تخرجوا في جامعات مرموقة مثل Boğaziçi وOTDÜ وBilkent وGalatasaray لا يفضّلون اليوم العمل أو العيش في تركيا.
2. إيجاد فرص عمل تُنتج التكنولوجيا في تركيا:
وثمة بُعد آخر هو أن السبب الأكبر لدراسة كثير من الشباب القادرين في تركيا للطب هو أن مهنة الطبيب في تركيا مرموقة ودخلها مرتفع. وإن توجّه القطاعات الخاصة إلى إنتاج التكنولوجيا سيُظهر في تركيا مهناً قادرة على إنتاج التكنولوجيا. وسيتوجه الأفراد إلى هناك تبعاً للفرص التي ستتيحها. فلا بد أن توجد شركات تكنولوجيا وشركات أدوية يستطيع الأطباء العمل فيها، وأن تصبح هذه التوصيفات الوظيفية جاذبة للأفراد.
Abdurrahman KAAN
رئيس مسياد العام