نص خطاب افتتاح منتدى الأعمال الدولي

معالي الوزير، رئيس منتدى الأعمال الدولي، ممثلي عالم الأعمال والسياسة والأوساط الأكاديمية الكرام، أصدقاءنا في مسياد وأعزائي ممثلي الإعلام

أود أن أعرب عن سعادتي باستضافتكم هذا العام في البرنامج الرابع والعشرين لمنتدى الأعمال الدولي ضمن فعاليات معرض مسياد 2020، وأحييكم جميعاً بكل احترام ومودة. أهلاً وسهلاً بكم. لقد شرّفتمونا.

إذا كنا نستطيع، من خلال أشمل معرض تجاري في بلادنا على المستوى الدولي والذي نظّمناه في هذه الظروف الصعبة لمرحلة الجائحة، أن نسهم ولو بقدر يسير في جهود دولتنا كي تستمر عجلات الحياة الاقتصادية في بلادنا بالدوران وكي نواصل طريقنا واقفين بثبات في ظرف اقتصادي وسياسي جديد، فما أسعدنا بذلك. وأشكركم مجدداً على تشريفكم ومشاركتكم.

هذا العام، وانسجاماً مع المرحلة التي نمر بها، ستُناقش ضمن منتدى الأعمال الدولي وتحت العنوان الرئيسي "اقتصاد الفيروس خرائط الطريق الاستراتيجية للوجود والصمود في هذه المرحلة. وكما تعلمون، يشهد العالم واحدة من أحدّ الانكسارات الاقتصادية والاجتماعية السياسية التي عاشها منذ الكساد الاقتصادي عام 1929، ونحن أيضاً نشهد هذه الحقبة. ومهما كان حجمها الاقتصادي، فإن معظم الحكومات فوجئت بطبيعة الحال وهي غير مستعدة بهذه الأزمة العالمية التي وضعت الناس وجهاً لوجه أمام مواطن ضعف عميقة في أنظمة الصحة العامة والضمان الاجتماعي. وقد عشنا جميعاً خلال مرحلة الجائحة، كالأسماك التي تطفو على سطح الماء، نتائج المشكلات التي طالما حاول النظام الاقتصادي العالمي كنسها تحت السجادة ضمن ديناميكياته الخاصة، والتوترات الاجتماعية السياسية، والصراعات الطبقية التي أفرزها انعدام العدالة في توزيع الدخل، وبطبيعة الحال نتائج موازين القوى المتغيّرة في الاقتصاد العالمي والثقل النوعي المتزايد للاقتصادات الآسيوية مع ربطها العالم بنفسها لا سيما في سلاسل الإنتاج والتوريد؛ وسنواصل عيش هذه النتائج.

معالي الوزير، أيها المشاركون الكرام،

حاولت حكومات كثيرة أن تستجيب لهذا التطلع لدى شعوبها عبر برامج الدعم التي أعلنتها، بما يتناسب مع دخلها القومي. غير أنه كلما اتسعت أبعاد حالة عدم اليقين، بدأت هوية المنقذ أو دوره بين الشعوب والدول تتعرض هذه المرة لأضرار عميقة. وحتى أشد المدافعين حماسة عن رأسمالية الدولة بدأوا مع الوقت يتساءلون عن مدى كفاية الدولة في النظام الجديد، ووصلوا إلى خط مفاده أن عامل الدولة وحده لا يمكن أن يكون العامل الحاسم في نضال الأمم من أجل الوجود والصمود في الظرف العالمي الجديد الذي بدأ مع الجائحة.

لقد رأينا كيف انهارت خطوط الإنتاج والتوريد التي كانت تنتقل تدريجياً نحو آسيا قبل الجائحة، ونماذج الحوكمة السياسية الجديدة التي تتصدرها الصين، والمعادلة الاقتصادية العالمية التي كانت تخطط لمجمل الناتج الإنتاجي العالمي بشكل محفوف بالمخاطر عبر مدخلات مصدرها الصين؛ ورأينا كيف تسبب هذا التوزيع المحفوف بالمخاطر، في حال حدوث صدمة عالمية محتملة، بإغلاق وانكماش لدى بقية دول العالم.

من الواضح أن المعادلة التي بنيناها عبر الصين، والاقتصاد العالمي الذي يحاول أن يجد لنفسه نقطة توازن بين الولايات المتحدة والصين، سيوزّعان هذه المرة المخاطر بصورة أكثر منطقية وضمن نظام معين، ليقودا نفسيهما نحو موانئ أكثر أماناً في مواجهة الصدمات المحتملة القادمة. معالي الوزير، أيها المشاركون الكرام،

اليوم، فإن التحول الرقمي المؤثر في العالم ولا سيما في جيل Z، والشركات التي تشكّل عنصره المؤسس، ستمتلك قوة هائلة داخل المجتمع بفضل قواعد التواصل الاجتماعي الجديدة وبفضل هيمنة الرقمنة التي تتغلغل في كل مجالات الحياة، كما ستشكّل رأياً عاماً جديداً حولها عبر ملء مساحات السيطرة المتراجعة لدى الدول بمناطق نفوذها الخاصة.

لقد أثبتت لنا مرحلة الجائحة على وجه الخصوص كيف أن التحول الرقمي وقوة رأس المال الكامنة خلفه يؤثران كفاعل قوي في حياتنا وقواعدنا وأجيالنا. وهذا التأثير، بأبعاد متزايدة باطراد، سيتركنا وجهاً لوجه أمام منظومة جديدة من القواعد الاجتماعية والثقافية.

وإلى جانب كل هذه التحولات الكبرى، سيضطر العالم بأسره إلى التعامل مع كتلة واسعة غير راضية عن أوضاعها، تتكوّن في مجملها من جيش من العاطلين عن العمل ممن لا يستفيدون بعدالة من توزيع الدخل، أو ممن يحاولون مواصلة حياتهم بالدعم الذي يتلقونه من الدولة، أو ممن فقدوا وظائفهم.

وفي كثير من دول العالم، فإن التوترات الاجتماعية التي شهدناها رغم الجائحة تُسمعنا في الحقيقة وقع أقدام شعوب على وشك الانفجار. وينبغي أن يُفهم وجود العالم فجأة وفي لحظة لم يتوقعها إطلاقاً وجهاً لوجه أمام وباء على أنه دليل على هشاشة الأنظمة التي بنيناها أمام الحقائق المرّة للقرن الحادي والعشرين.

لذلك، فإن الواجب الملقى على عاتقنا يجب أن يكون أولاً قراءة الحقائق الجديدة قراءة صحيحة، والانتقال إلى تطبيق سياسات التجديد والمراجعة عند الاقتضاء في أنظمتنا الاقتصادية أولاً ثم الاجتماعية والثقافية والسياسية، من خلال التكيّف مع مفاهيم جديدة تتجاوز كثيراً أنماط سلوكنا التقليدية.

معالي الوزير أيها المشاركون الكرام،

تشير جميع المؤشرات الاقتصادية القائمة إلى أن النمو الاقتصادي لن يعود إلى سابق عهده إلا بعد السيطرة على الوباء بصورة واضحة وقابلة للتنبؤ. ورغم كل حالات عدم اليقين المذكورة، فإن كون كوفيد-19 سيؤدي إلى تحولات جذرية في النظام العالمي يقف أمامنا حقيقة لا جدال فيها.

علينا أن نأخذ في الحسبان أن أزمة كوفيد-19 اندلعت في بيئة كانت فيها منطقة اليورو تصارع أزمة عميقة منذ وقت طويل، ولم تستطع اليابان تجاوز الركود الذي تعيشه، وتخلّفت بقية دول البريكس كثيراً عن ديناميكية الصين، وكانت التجارة العالمية تزداد توتراً يوماً بعد يوم متأثرة بالتوتر بين الصين والولايات المتحدة. أما مسألة إلى أين سيتجه التوتر بين الصين والولايات المتحدة في مرحلة ما بعد الأزمة، وهل سيتحول إلى مسار توافقي أم إلى صراع اقتصادي يتصاعد عنفه باطراد، فلا تزال تحتفظ بمكانها على جدول الأعمال.

إن انزلاق مجموعة العشرين يوماً بعد يوم نحو بنية ثنائية مكوّنة من الولايات المتحدة والصين يشكّل خطراً جدياً على سائر الفاعلين في الاقتصاد العالمي.

لذلك، علينا في المرحلة الجديدة أن نطوّر لغة سياسية نقدية ومشتركة تستهدف إعادة تنظيم المؤسسات الرئيسية للنظام العالمي، وفي مقدمتها مجموعة العشرين والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية.

ليس بمقدور الفاعلين البارزين في صراع الهيمنة العالمية، الذي نتوقع أن يكون أشد قسوة في مرحلة ما بعد وباء الفيروس، أن يحافظوا على مكانهم على الطاولة مع استبعاد تركيا من الحسابات.

تُظهر البيانات الأخيرة الخاصة بالربع الثالث من العام، والذي استمر فيه اتجاه النمو السلبي في كثير من الدول مثل الولايات المتحدة ومنطقة اليورو وألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإسبانيا وإيطاليا وروسيا والمكسيك وإندونيسيا، أن الاقتصاد التركي سجّل نمواً قوياً في هذه المرحلة. غير أن المسألة بعد هذه النقطة تكمن في اتخاذ الخطوات الكلية بحزم بما يؤثر في سلوك الفاعلين في السوق، وفي ترسيخ عنصر الثقة في الإدراك الاقتصادي الحقيقي.

تركيا، خلافاً لكثير من دول العالم، ليست بلداً فقير الموارد. فهي، سواء من حيث مواردها الطبيعية أو قوة رأس مالها أو سوق العمل لديها، أحد العناصر الفاعلة الموازِنة في النظام العالمي الجديد. أما ما يقع على عاتقنا فهو مواصلة سياسات الاقتصاد الحقيقي بحزم بما يتوافق مع المتطلبات والتوقعات الجديدة لأسواق المواد الخام ورأس المال والعمالة.

معالي الوزير أيها المشاركون الكرام،

يطوّر العالم حلولاً بديلة لمفهوم النقود الذي يتغيّر تعريفه وربما يتغيّر مضمونه أيضاً في المراحل المقبلة، ويبذل جهداً جاداً لإعادة إرساء التوازنات الاقتصادية الحقيقية في مواجهة مخزون النقد المتضخّم في الأسواق المالية ولا سيما في أسواق المشتقات. فاليوم يمكن إجراء تحويلات نقدية تبلغ تريليونات الدولارات بضغطة زر واحدة لتاريخ لاحق؛ وتتحرك النقود باستمرار في النظام المصرفي، لكنها تبتعد شيئاً فشيئاً عن حقيقة الواقع.

غير أن ابتعاد النقود عن وظائفها الاقتصادية الأساسية وتحوّلها إلى أداة سلعية يعرّض استقلال العملات الوطنية للخطر، ويجعل قوة العملة الوطنية للأسف تُقوَّم تحت سيطرة عملات الدول الأخرى.

إن قوة النقود في بلد ما تحددها قوة الإنتاج والاستثمار في ذلك البلد. وإذا حاولنا شرح القواعد الاقتصادية الحقيقية بل وحلّها بأدوات السياسة المالية، فإننا نضطر النقود في النظام إلى البقاء عاطلة، ونحرم أنفسنا في الوقت ذاته من قوة الاستثمار والإنتاج التي هي أساس التنمية.

لذلك ندعم من صميم قلوبنا حملة التنمية الاقتصادية التي أطلقها فخامة رئيسنا والقائمة على ثلاث ركائز. وقد اختبرنا خلال فترة قصيرة كيف تعود تركيا، بفضل ميزتها الجيوسياسية القوية، مركز جذب في نظر المستثمرين الأجانب حين تُبعث الثقة في الأسواق. غير أننا نتمنى أن تستمر هذه العزيمة في المرحلة المقبلة أيضاً، وأن يتحقق إنتاج المدخلات والسلع نصف المصنعة التي ستخفّض خطر تضخم التكاليف، وهو أحد أهم مشكلات بلادنا، لا عبر الاستيراد بل عبر نهضة الإنتاج الوطني، وذلك بالانتقال خصوصاً إلى سياسة إنتاج كلية.

إن النظام العالمي الجديد يُظهر لنا في الحقيقة الدور المحوري لثلاثة شروط أساسية في التنمية الاقتصادية.

1. الاكتفاء الذاتي

2. الاستخدام الفعّال والصحيح للموارد

3. تحويل عناصر السياسة الخارجية إلى مزايا اقتصادية عبر القدرة على المناورة السياسية

الاكتفاء الذاتي هو في الحقيقة العامل المفتاحي لاستقرار الأسعار ولتقوية العملة الوطنية أيضاً. وللخروج من دوامة تضخم التكاليف والانتقال إلى تضخم طلب عند مستويات معقولة، علينا في الواقع أن ندعم قدراتنا في التوريد واللوجستيات والإنتاج بحزم تشمل جميع الاحتمالات، وأن نجعل فلسفة الإنتاج الوطني على وجه الخصوص نقطة الانطلاق في جميع قطاعاتنا.

إن الابتعاد عن الاعتماد على المدخلات في قطاعاتنا الحيوية وفي مقدمتها الغذاء والزراعة والثروة الحيوانية، وفي الصناعات التحويلية ذات القيمة المضافة العالية والقطاعات كثيفة التكنولوجيا، عنصر سيسهّل عودتنا مجدداً إلى مبدأ كفاءة الموارد الذاتية. كما أن الاستخدام الفعّال لمواردنا وتحريك عامل الادخار سيقدّمان لنا معايير كفاءة في ثلاثة مجالات أساسية: كفاءة رأس المال، وكفاءة الحوافز، وكفاءة ريادة الأعمال.

إن تحوّل رأس المال لا إلى ثروة بل إلى استثمار ومخزون رأسمالي سيضمن لنا بنية أكثر متانة في الأوقات الصعبة سواء على مستوى شركاتنا أو على مستوى موازنة دولتنا. وهذا يمر عبر إدارة فعّالة للمشاريع. وينبغي أن يرفع القطاع الخاص عبء تكوين المخزون الرأسمالي عن كاهل الدولة وأن يشارك مباشرة في النظام عبر شراكات قائمة على المشاريع.

لقد شهدنا جميعاً كيف أوصل مسار كسب النقود للمال من مكانها عبر استخدام أدوات السوق المالية لا بلادنا وحدها بل الاقتصاد العالمي بأسره إلى طريق مسدود. وفي هذه المرحلة، تُعد كفاءة ريادة الأعمال أيضاً مسألة ينبغي أخذها في الحسبان. بالطبع لا نتحدث عن عرقلة سياسات ريادة الأعمال، لكننا شهدنا في هذه المرحلة أيضاً مدى صمود كل شركة أمام الصدمات. وينبغي أن نُخرج الشركات غير القادرة على الصمود من كونها عبئاً إضافياً على بنود موازنة الدولة، وأن نتبنى سياسة ريادة أعمال أكثر فاعلية وانتقائية. وثمة عنصر آخر في هذه النقطة، وهو أن تُنفَّذ برامج التأهيل المهني الموجهة نحو التنمية ضمن تخطيط سليم. ذلك أن الاقتصاد القوي لا يكون ممكناً إلا بوجود سوق عمل كافية ومؤهلة. ولهذا فإن الحملة التي سنطلقها من الآن نحو التوظيف المؤهل، في إطار محاكاة مستقبلية لأنواع النقص في الكوادر التي ستشهدها القطاعات المختلفة، ستمنحنا القوة في سبيل تحقيق كفاءة قوة العمل في النظام العالمي الجديد وبالتالي في سبيل الاستخدام الفعّال للموارد. وأخيراً، فإن كفاءة الحوافز مسألة مهمة من أجل توزيع موارد الدولة وإدارتها بفاعلية.

بالطبع تتخذ دولتنا خطوات في سبيل دعم رواد الأعمال والشركات من أجل تطوير المشاريع وزيادة هذه المشاريع للاستثمارات. غير أنه ينبغي البحث جيداً في كيفية استخدام هذه الحوافز وطريقتها، وهل تُنتج فعلاً كفاءة في الموارد أم تتسبب في هدرها. ولهذا الغرض نولي أهمية لإعادة تناول المشاريع والحوافز المقدمة لها بمنظومة جديدة من معايير التقييم.

لقد انطلقنا في طريق جيد. ولدينا ثقة تامة بأن خارطة طريقنا الاقتصادية الجديدة في هذه الحملة ستثمر نتائج إيجابية سواء في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة أو في زيادة طاقتنا الإنتاجية الوطنية وبالتالي في إعادة تقييم قوة عملتنا. وبعد ظهر اليوم، وفي مجلس الإدارة العام لرؤسائنا في العالم الذي سيُعقد بمشاركة رئيس مكتب الاستثمار الرئاسي ومعالي وزير التجارة، سنضع على الطاولة آلية عمل علامتينا MÜSİAD INVEST و MÜSİAD trade and investment agencies اللتين انطلقنا بهما من أجل جذب الاستثمارات الخارجية وجمع الشركات ذات الإمكانات الاستثمارية معاً، عبر تشغيل انتشارنا الميداني على هيئة منظومة وكالات للتجارة والاستثمار. وإن شاء الله تكون أوجه التعاون التي أقمناها في هذا الشأن مع مكتب الاستثمار الرئاسي ورئاسة الاستراتيجية والموازنة سبباً في الخير في التخطيط الاقتصادي لبلادنا في المرحلة الجديدة.

أشكر من صميم قلبي رئيس منتدى الأعمال الدولي ومجلسنا الأعلى العالمي وأمانتنا العامة الذين لم يبخلوا بإسهاماتهم في إخراج هذه الفعالية إلى النور.

وأتمنى أن يكون اجتماع منتدى الأعمال الدولي والموضوعات الاستراتيجية والجلسات التي ستُناقش في الندوات سبباً في الخير لوطننا.

أحييكم بكل احترام ومودة.