جامعة إسطنبول صباح الدين زعيم
خطاب مؤتمر الاقتصاد والتمويل الإسلامي
سعادة رئيس الجامعة، رؤسائي الكرام، ممثلي عالم الأعمال والأوساط الأكاديمية الأفاضل، إخوتي الطلبة الأعزاء، وأعزائي ممثلي الإعلام، يسعدني ويشرّفني أن أكون بينكم في قمة استثنائية كهذه، وأن أعرض أفكاري، انطلاقاً من مبدأ أن إنتاج المعرفة يمرّ عبر المشاركة، في موضوع بهذه الأهمية سيزداد قوة بمشاركاتكم. جزى الله خيراً كل من ساهم في إنجاحها. أحييكم جميعاً بكل احترام ومودة. السلام عليكم ورحمة الله.
قبل أن أبدأ كلمتي، أستذكر بالرحمة والامتنان أستاذنا القدير Sabri Orman، الذي فتح لنا آفاقاً بأعماله القيّمة في مجال الاقتصاد الإسلامي في بلدنا وفارقنا مؤخراً. أسكنه الله فسيح جناته.
المشاركون الكرام،
إن تناول الشروط الاقتصادية لنظام خالٍ من الفائدة وإمكاناته في قمة بهذا الاتساع من حيث المشاركة وأصحاب المصلحة، مصدر سعادة واعتزاز خاص بالنسبة لنا.
ففي السنة التي تسلّمت فيها مهام رئاسة مسياد العام، أكّدنا في قمة التمويل التشاركي العالمية (GPAS) التي نظّمناها، مدى الأهمية الحيوية التي سيكتسبها النظام الخالي من الفائدة، أي التمويل الإنساني، في النظام العالمي الفوضوي الذي ينتظرنا في المستقبل القريب.
في القمة التي أقمناها في 16 نوفمبر 2017 بمركز هاليتش للمؤتمرات بمشاركة دولية واسعة، تداولنا في أيّ المفهومين نستخدم: «التمويل الإسلامي» أم «التمويل الإنساني».
فالظروف في تلك المرحلة لم تكن مواتية كما هي اليوم. غير أننا لم ننسَ أمراً واحداً: كل ما هو إنساني فهو إسلامي، وكل ما هو إسلامي فهو في خدمة الإنسان. والاقتصاد الإسلامي ليس النموذج الاقتصادي لعقلية استعمارية قائمة على الطمع في الكسب والريع، بل هو النموذج الاقتصادي المستمد من القاعدة لعقلية تقوم على الإنتاج والتوزيع العادل وتضع الإنسان في مركزها.
في تلك القمة انطلقنا في طريقنا مستندين إلى هذا المبدأ الأساسي، وبراحة البال التي يمنحها فعل الصواب في وقت محفوف بالمخاطر. واليوم أرى أن،
في قمة ضخمة كهذه، يعيش أطراف الموضوع من كل الجهات، بأفكارهم القيّمة، للمرة الثانية عشرة، فخر مناقشة ما ينبغي أن يكون لا ما هو كائن، وتحويله إلى واقع. وهذا ما يليق بنا. الضيوف الكرام، أساتذتنا الأفاضل،
قبل إلقاء هذه الكلمة اليوم، عدت إلى ظروف تركيا والعالم في تلك المرحلة. في ذلك الوقت طرحنا السؤال نفسه في منابر كثيرة وفي قمة GPAS: إلى أين نحن ذاهبون؟ وتساءلنا كيف ابتعد المال عن قيمته التعريفية. وتساءلنا عن موقع المال ومنظومة قيمته ضمن مبدأ الإدارة الفعّالة للموارد النادرة، وهو القاعدة الأساسية لعلم الاقتصاد. وقبل نحو ثلاث سنوات قلنا مؤكدين بإصرار إن النظام النقدي سيبلغ نقطة الانهيار إذا استمر على هذا النحو. وقلنا إنه في المسار الذي مهّد لأزمة 2008 وازداد عمقاً بعدها، حلّت محل الفهم القائم على الإنتاج حلقةٌ مفرغة تُشغَّل فيها كل التوازنات القطاعية لصالح الأسواق المالية بحجة موازنة هذه الأسواق، وإن هذه الحلقة ستبلغ يوماً ما نقطة الانسداد والانفجار.
لأننا إذا أردنا أن نضع استراتيجيات للمستقبل، فعلينا أن نقرأ التاريخ قراءة صحيحة.
انظروا؛
ينتقل تاريخ العالم كل 20 عاماً إلى مرحلة مختلفة ويشهد تحوّلاً، ويعيد مراجعة نفسه كل عقدين. ولو أخذنا القرن العشرين وحده: بين عامي 1900 و1920 دخلت القوى المهيمنة للثورة الصناعية في حرب ضارية من أجل ترسيخ الرأسمالية. وأعادت الحرب العالمية الأولى كتابة قواعد التاريخ الاقتصادي العالمي، ورُسمت حدود الدول. ويمكننا القول إن أسس كثير من المآزق الجيوسياسية التي نعيشها نحن أيضاً اليوم إنما وُضعت في تلك السنوات العشرين. أما تركيا فكانت خلال تلك السنوات العشرين تخوض معركة تحررها الوطني واستقلالها، وكانت لاعباً خارج النظام بشكل شبه كامل.
وحين نتفحّص المرحلة بين 1920 و1940، نجد أن أزمة الكساد الاقتصادي عام 1929 دفعتنا إلى إعادة النظر في المسارات القائمة. ففي عشرينيات القرن الماضي فرضت الهيمنة الأمريكية نفسها على النظام العالمي. وفي هذه المرحلة بدأت البنوك الأمريكية، التي كانت تجمع بين عمليات الودائع وأنشطة الاستثمار، تحلّ محل البنوك البريطانية. ووجد النظام العالمي المأزوم نفسه عام 1939 وسط حرب ثانية، وهذه المرة فُتح الباب أمام حروب الهيمنة.
وبعد الكساد الكبير، تصدّر المشهدَ المراقبون الماليون بسبب حرية الدخول إلى الأسواق المالية، ومشكلات اختلال موازين المدفوعات في الدول، وهروب رؤوس الأموال، وأعباء الديون. وكنا نحن في تلك المرحلة منشغلين بدمج دولة متجددة في شكل إدارة جديد.
وحين نتفحّص المرحلة بين 1940 و1960، رأينا كيف وُضعت اقتصادات الدول المستقلة واحداً تلو الآخر تحت الوصاية عبر خطة مارشال ونظام بريتون وودز. وقد اضطرت تركيا في تلك السنوات العشرين إلى دمج النظام المالي المهيمن القادم من الغرب في بلدها.
وحين ننظر إلى المرحلة بين 1960 و1980، نجد أن أسواق اليورودولار قد غدت، مع صدمة النفط، مركزَ التمويل العالمي. فتضاعف سعر النفط أربع مرات عام 1973 عقب حرب يوم الغفران، ثم ثلاث مرات مع الثورة الإيرانية عام 1979 وتهديد العراق لإيران عام 1980، أدّى إلى اهتزاز عميق في تدفق التمويل العالمي. وهكذا عاد العالم إلى مقاربة عام 1973 التي كانت تشترط الدولة من أجل التنمية. وكنا في هذه المرحلة نعيش مسارات الانقلابات والمذكرات العسكرية، وكدنا نمهّد الأرضية لعقلية عاجزة عن بلوغ النضج الديمقراطي كي تجعلنا تابعين للخارج اقتصادياً. أما مرحلة 1980-2000 فقد كانت نذيراً بتحوّل نادر المثيل في العالم. ففي السنوات التي تلت نهاية الحرب الباردة، تعرّف العالم على تعريف اقتصادي جديد ومنظومة مواقف جديدة، سواء عبر تغيّر الفهم السياسي والظروف في الساحة الدولية أو عبر تقدّم نادر المثيل في التكنولوجيا. فالعلاقات الاجتماعية والسياسية الدولية التي كانت حتى ذلك اليوم قائمة على الأمة والحلف، أي على أساس المنطقة، أفسحت المجال تدريجياً أمام تساؤل عالمي حول الإنتاج والرفاه يعتبر مخاطبَه أممَ العالم كافة.
غير أن العولمة لم تكن نتيجة نهائية، بل كانت على العكس اقتصاد مرحلة انتقالية. واليوم نرى صحة هذه الفرضية في المواقف الاقتصادية خلال مرحلة كورونا.
كان المدافعون عن النظام العالمي يعرّفون النظام المالي العالمي بأنه «وهم» صنعته القوى الطبقية المهيمنة على الاقتصاد، وهو يقيّد حرية حركة الدول في الساحة الدولية ويحلّ في المستوى نفسه محل استراتيجيات الدول. واليوم يقول هذا الفريق بصوت أعلى بكثير: «إن النظام الاقتصادي القائم، حتى بالتنظيمات الكينزية الجديدة، بعيد عن تقريب الدول والأمم بعضها من بعض وتحويل العلاقة الاقتصادية إلى رفاه عالمي. ألم نشهد ذلك عن كثب خلال مرحلة كورونا؟
ألم نرَ كيف أدّى النظام المالي الأوليغارشي الذي يدور حول التحوّل إلى شركات وبناء العلامات التجارية إلى انقسامات أعمق وأشد تدميراً وإلى هوّات اقتصادية بين أبناء الأمة، بل وقضى على عنصر الثقة الأساسي في النظام التجاري؟ فكيف إذاً وجدت العولمة، التي انتُقدت في حينها بهذه القسوة، أرضية مواتية إلى هذا الحد؟ لأن الاستعمار كان يقدّم خطاب التجارة الحرة وحرية التنقل، تحت غطاء الديمقراطية، بوصفه ميزة لصالح الدول النامية. أو كان يدعم ذلك التصوّر عبر النظام المالي.
غير أن النظام نفسه كان يحمل معه قواعد موحّدة، أي التنميط لدى أمم العالم كافة. بل إن التيارات الثقافية الموحّدة أخضعت حتى الشيفرات الثقافية التي طوّرتها الأمم عبر تاريخها لتصنيف تراتبي ضمن مفهوم «الحضارة».
ومن هذه النقطة فصاعداً، فقدت للأسف العناصرُ الأساسية للاقتصاد الحقيقي، كالإنتاج والتوظيف والرفاه الاجتماعي، أهميتَها وبدأت تستسلم للمال وللنظام المالي القائم حوله. أي أن مسار إدارة السياسات الاقتصادية بالأدوات المالية قد بدأ فعلياً. وبدأ المشتق يحلّ محل الحقيقي.
أما السنوات بين 2000 و2020 فقد أشارت إلى مسار أُعيد فيه التعريف النموذجي لا للنظام النقدي فحسب، بل للمال ذاته. والمسار الذي بدأ بهجمات 11 سبتمبر كان في الواقع بداية لصراعات هيمنة جديدة تماماً، وانضمت الصين مع الوقت إلى اللعبة بوصفها لاعباً عملاقاً. ومع دخول الصين على الخط، بدأت خطوط الإنتاج والتوريد الاقتصادية تنزاح تدريجياً نحو الشرق.
الضيوف والمشاركون الكرام،
نحن اليوم نضيع في محاكاة مخاطر عالم جديد يُؤخذ فيه سند الوعد بوصفه سلعة، وتملك فيه كل مؤسسة صلاحية إصدار نقودها الخاصة. أي أننا ننتج المال بدلاً من السلعة. بل يمكننا القول صراحة إننا ننتج الفائدة بدلاً من المال. وكلما فعلنا ذلك، أي كلما فكّرنا في كل نشاط اقتصادي يُقيَّم بالمال من زاوية القيمة الزمنية للمال وحدها، تخلّينا عن السوقين الأخريين للنشاط الاقتصادي: العمل والمواد الخام. أي الإنسان والإنتاج.
الضيوف الكرام،
النقد، والودائع تحت الطلب، والأصول القابلة للتحويل إلى نقد، والأدوات المختلفة التي يمكن أن تؤدي وظيفة المال عند الحاجة… أي الصناديق. الصناديق هي الأدوات الأساسية للتمويل. غير أن كل صندوق والعمليات التي تتبعه تتحرك ضمن قيد يُسمى القيمة الزمنية. لأن الهدف الأساسي في التمويل هو تلبية متطلبات الغد لا اليوم. أي تقليل المخاطر إلى أدنى حد والحفاظ على القيمة الزمنية للمال. ومن هذه الزاوية فإن العمليات المالية هي في حقيقتها محاكاة. بل إن إعادة التأمين، وهي آخر ما وصلت إليه إدارة الضمانات والمخاطر، قد ابتعدت كثيراً في الواقع عن إدارة المخاطر وهي تغرق أمام مفهوم «القيمة الزمنية». معادلة يُتوقَّع فيها ما لا يمكن توقعه من المخاطر القابلة للتوقع. هذا هو التعريف باختصار. أليس هذا معقداً بعض الشيء؟ إنه في الحقيقة بسيط: فالنظام لم يعد سوى محاكاةٍ للمحاكاة. وهنا بالضبط تكمن نقطة انطلاق التمويل الإنساني والاقتصاد الإسلامي: استعادة البارامترات الحقيقية للحياة الحقيقية التي تركناها تتلاشى داخل المحاكاة. وما هي هذه البارامترات؟ الموارد وأوجه استخدامها، والمواد الخام، وعمليات الإنتاج، وقوة العمل، والاستثمار من أجل الإنتاج، والادخار، والاستثمار من أجل الادخار، والتوزيع، وتوجيه التوزيع من جديد نحو الإنتاج والاستثمار. أي إعادة بناء الدورة على محور السلع والخدمات لا على محور المال والفائدة. ليس تدمير النظام المالي، بل فتح طريق جديد أمام خطه المسدود. ليس نفخ فقاعة وهمية بتجاهل مفاهيم الحاجة إلى التمويل أو التقييم أو القيمة الزمنية، بل إعادة التفكير في المفاهيم الأساسية للتمويل من منظور إنساني.
وإلا فإن أسواق الإنتاج والمواد الخام والعمل، في نظام لا يتحرك إلا بدافع الريع المالي، ستُهدر لمجرد تغذية النظام المالي، وهو ما يحدث فعلاً. فالهوّة المتّسعة في توزيع الدخل، وجيش العاطلين عن العمل، ومشكلات احتكار سلاسل التوريد، كلها تنبع من هذا الاختلال ومن خوارزمية مبنية بشكل خاطئ.
أي طرح إمكانات عقلية اقتصادية جديدة تحترم معتقدات المجتمعات وأنماط حياتها. وممارسة الحق في حرية النشاط الاقتصادي، من دون إغفال إدارة المخاطر، في ألفيتنا الجديدة التي نال فيها مفهوم الحرية هذا القدر من المكانة.
هذا هو مفهوم التمويل الإنساني والإسلامي…
الضيوف والمشاركون الكرام،
اليوم، وبعد 102 عام، بدأ العالم مرة أخرى يعيد التساؤل عن نظامه الاقتصادي بسبب مشكلة صحية لم يتمكن من السيطرة عليها. فالرأسمالية الحديثة التي عاشت عشرات الأزمات الاقتصادية في 30 عاماً فقط، وجدت نفسها هذه المرة أمام كساد اقتصادي ليس اقتصادي المنشأ لكن آثاره تزداد عمقاً يوماً بعد يوم. ويبدو اليوم أن الجناح الليبرالي المدافع عن العولمة، والقطب الراديكالي المعارض لها معارضة مطلقة، بل حتى الفريق الواقعي الذي يتابع التطور العالمي بحذر، قد اتفقوا جميعاً على الإشكالية نفسها: «كورونا نقطة فاصلة. نحن بحاجة إلى تصورات جديدة ونماذج فكرية جديدة».
اليوم يعبّر مسؤولو صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بصوت عالٍ عن الحاجة إلى نظام «بريتون وودز جديد». وهذا النظام كان منظومة صُمّمت برعاية الدول المتقدمة لبناء نظام دولي لإدارة النقد في أعقاب دمار الحرب العالمية الثانية، ولتحديد الشروط التجارية اللازمة لما سُمّي بالانتعاش من جديد. وقد أظهرت لنا مرحلة كورونا مدى هشاشة هذه المنظومة. وما دمنا نتحدث عن نقطة فاصلة، أفلا يدفعنا التفكير بالنماذج القديمة للقرن الماضي إلى أن نجد أنفسنا من جديد داخل الحلقة المفرغة نفسها؟ بات واضحاً الآن أن محو آثار الجائحة تماماً من الاقتصاد العالمي سيستمر حتى عام 2021. وهذا المسار يتناسب طرداً مع اكتشاف اللقاح ومع ردود فعل الأمم تجاه شروط الوضع الطبيعي الجديد. غير أن هناك أمراً آخر لا ينبغي نسيانه هنا: مسار حرب باردة ثانية. ففي مسار سيكون طرفاه هذه المرة الصين والولايات المتحدة، تُصاغ من الآن شروط نوع جديد من الاستعمار.
انظروا أيها الضيوف الكرام؛
إن الصراع السياسي الذي دار في مرحلة ما حول البحر المتوسط بات يشمل الآن أيضاً اقتسام آسيا والمحيط الهادئ. وفي مرحلة تفقد فيها نظريات السيطرة البرية الكلاسيكية سلطانها تدريجياً، فإن مشروع الحزام والطريق، وكذلك خط طريق التوابل الذي يُعدّ نظيراً له ويُنظر إليه في الوقت نفسه بوصفه قوة عازلة أمام النفوذ الصيني، يربطاننا عبر جيوبوليتيك المتوسط بالمجال الحيوي لآسيا والمحيط الهادئ ويجعلاننا طرفاً في هذا الاقتسام.
أي أن هذا يجعل تركيا بلداً مفتاحياً في تنويع سلاسل التوريد، وفي توزيع المخاطر وإدارتها في هذه المرحلة التي رأينا فيها كيف أغلق وباءٌ بدأ في الصين العالمَ اقتصادياً، وكذلك في إعادة هيكلة الخطوط اللوجستية.
وبهذا المعنى، إذا أحسن بلدنا استثمار هذه المرحلة فسيعود ليقوى بوصفه مرفأً آمناً وذا سمعة داخل النظام المالي أيضاً. ولا يتحقق ذلك إلا بألا ننظر إلى الاستثمار بوصفه إدارة لعملية مالية وحدها، بل برؤية الإنتاج والاستثمار على خط التجارة بوصفهما محفّزاً، تحت عنوان تزامن الإنتاج والتجارة والاستثمار. فتركيا، إلى جانب كونها نقطة تقاطع القارات والحضارات، باتت أيضاً ضمن المجال الحيوي لصراعات القوة الاقتصادية المنزاحة نحو الشرق.
الضيوف الكرام،
ينتظرنا نظام عالمي جديد تماماً. وليس لدينا وقت نضيّعه في التفكير بالمفاهيم القديمة. ولن يحدث التغيير في الساحة الاقتصادية وحدها.
أولاً، ستتغير أنماط حياتنا وتصوّرنا للتواصل الاجتماعي. وهذا التغيير سيضعنا وجهاً لوجه أمام نظام عمل جديد ومجموعة تشريعات جديدة في الحياة الاقتصادية
سيتعيّن علينا إعادة تعريف العلاقة بين منظومة قيمنا والمجال العام. وفي هذه المرحلة، ومن أجل تنمية إنسانية مستدامة، على كل أمة أن تعيد النظر في منظومة قيمها، وأن تُصمَّم الحياة الاقتصادية على نحو يحترم هذه القيم.
نحن بحاجة إلى نموذج جديد للإنتاج والتوزيع الاقتصادي كي تتوزع سلاسل الإنتاج والتوريد والقيمة توزيعاً عادلاً على دول العالم كافة. فقد أظهرت لنا هذه الأزمة أن الصين وحدها، أو الدول التي تمسك وحدها بسلسلة الإنتاج والتوريد على مستوى قطاعي، والنظام الاقتصادي الداعم لذلك، قد وقعت في فراغ في أوقات الأزمات. ولهذا ينتظرنا نظام تشاركي واسع المشاركة يمكن لكل أمة تقريباً أن تسهم فيه في الناتج العالمي بقيمها الاقتصادية. لأن الانكماش الاقتصادي الذي سيحدث في مرحلة ما بعد كورونا سيؤدي أيضاً إلى إفقار عالمي. ومن هذه الزاوية يجب إعادة تعريف الرفاه العالمي وإعادة تحديد شروطه.
ستتغير أساليبنا في ممارسة السياسة. فالعالم في هذه المرحلة وما بعدها يختبر ديمقراطية مباشرة تقوم على القيادة لكنها تستمد قوتها من القاعدة.
لقد رأينا كيف يعطي البناء التشاركي والتعددي نتائج ناجحة في أوقات الأزمات، بفعل الزخم الآتي من القادة ومن قواعدهم الشعبية.
ستتغير تعريفاتنا للتعليم وأنظمتنا التعليمية المدرسية التقليدية. ويمكننا القول إن نموذجاً جديداً للتعليم والإدارة الاقتصادية ينتظرنا الآن، تُستخدَم فيه إمكانات الوصول عن بُعد بفعالية، وتُعدّ به كوادر بشرية مؤهلة في تخصصات متعددة.
تنتظرنا مرحلة سنتساءل فيها عن التوازن المفاهيمي بين العلم والدين ونعيد رسم حدود الوضعية. فالعالم يدرك أنه لا يستطيع، في مثلث العلم والدين والقيم الأخلاقية، أن يسير على خط وضعي متشدد ولا على خط منغلق تماماً على الدنيا.
يجب إعادة تصميم العلاقة التي أقمناها مع البيئة والطبيعة، وأن نعقد من جديد ميثاق رحمة ووفاق بيننا وبين الطبيعة. فقد رأينا في هذه المرحلة مرة أخرى أن الطبيعة من أثمن الأمانات التي استودعنا إياها الحق سبحانه وتعالى. وستتغير عناصر قوتنا الوطنية التقليدية. فنحن نرى كيف تنوّعت عناصر القوة الوطنية التي كنا نعرّفها يوماً بالأرض ورأس المال والتفوق العسكري، وكيف دخلت مفاهيم جديدة إلى طيف التهديدات الوطنية.
يقول İsmet Özel في قول جميل: «لكل شيء ثمن. فليقل من يقولون إننا منحناكم الطمأنينة ماذا أخذوا منكم أيضاً».
يُنظر إلى الصين اليوم في مجالات كثيرة بوصفها قوة الدومينو في التجارة. غير أن هذا الوضع يجب ألا يُنسينا وقع أقدام هيمنة جديدة محورها الشرق.
بل إن هذه القوة الجديدة، من حيث عدد السكان والموقع الجيوسياسي معاً، تهديد أشد قرباً بكثير مقارنةً بالتدخلات العابرة للبحار للقارة البعيدة. وبالمثل، إذا أُضيفت إليها القوة الاستخباراتية التي أقامتها في آسيا الوسطى وآسيا والمحيط الهادئ، فإنها تكشف عن تهديد أقرب بكثير سنعيشه في المستقبل: حروب الاستخبارات الاقتصادية.
وفي هذا السياق، هذا هو الوقت المناسب تماماً لإعادة النظر لا في بارامتراتنا الاقتصادية فحسب، بل في تصوّراتنا الأمنية أيضاً.
الضيوف الكرام،
ونحن في مسياد، انطلاقاً من الحاجة إلى تطوير خوارزمية اقتصادية جديدة، طرحنا عند هذه النقطة نموذجاً جديداً يستمد مصدره من عناصر القوة الوطنية المتغيرة وتصوّرات التهديد، وأسميناه MİM. أي البنية الاقتصادية الوطنية.
لا يمكن قياس القوة الوطنية إلا بالنظر إلى الاقتصاد بوصفه العنصر الأساسي للقوة الوطنية.
لقد تحركنا، باسم نهضتنا الاقتصادية الوطنية، وفق المعادلة التالية: الموارد الوطنية الأساسية تحدّد الأداء الوطني. والأداء الوطني أساسٌ للكفاءة الاقتصادية. فما هي هذه الموارد الوطنية؟ بالطبع: تحريك العناصر الوطنية في إدارة البحث والتطوير والابتكار؛ وإدارة صناديق ريادة الأعمال وتطوير نظام مالي قائم على الشراكة التشاركية
تكوين موارد بشرية مؤهلة
نشر الموارد المالية ورأس المال الوطني على القاعدة
حماية الموارد الطبيعية ولا سيما الموارد المائية والاستفادة منها على نحو جيد، نظراً لساحات الصراع الجديدة المحتملة في المستقبل. واعتماد مفهومَي أمن الطاقة وأمن رأس المال إلى جانب إدارة الطاقة
وأخيراً، استثمارات البنية التحتية التي ستغذّي الاقتصاد الحقيقي لا النظام المالي.
إن الاستخدام السليم والصحيح لهذه الموارد ينقلنا إلى مرحلة الأداء الوطني. أي أن الاقتصاد يصبح مقياساً للقوة الوطنية. والكفاءة الاقتصادية هي العامل المفتاح في النظام العالمي الجديد اليوم. ولهذا الغرض حققنا، باسم نموذج نظام مالي خالٍ من الفائدة، مشاريع نظام التمويل التعاوني، ونظام ادخار البناء، وصندوق رأس المال الجريء، وصندوق الاستثمار الزراعي، وصندوق الاستثمار العقاري القائم على الصناعة. وبذلك أثبتنا أن العمل ممكن أيضاً ضمن حدود الاقتصاد الإسلامي. وفي هذا السياق ينبغي للمصرفية التشاركية أن تولي مزيداً من الاهتمام لمفاهيم صكوك المضاربة وصكوك المشاركة، وأن تشارك في أعمالنا ومشاريعنا. وبهذا سينتشر التمويل الإسلامي أكثر في العالم.
وهدفنا الأساسي هنا، من أجل قياس القوة الوطنية، هو إحياء المزايا المحلية واقتصادات المناطق بما ينسجم مع المعادلة الجديدة التي ذكرتها أعلاه، والانتقال إلى خط الإنتاج والتجارة والشراكة والاستثمار القائم على المشاريع.
لأننا نعلم أن قوة المال في بلدٍ ما تحدّدها قوة الإنتاج في ذلك البلد.
الهدف في هذا النموذج ليس قياس رأس المال وتصنيفه، بل تكوين اقتصاد شبكي منتشر في القاعدة ومستمد منها. ونحن نعلم أمراً جيداً: الحركات التي لا تجد صدى في القاعدة أو لا تحظى بقبول واسع على مستوى القاعدة لا تعمّر طويلاً.
ولتحقيق ذلك، أطلقنا أخيراً في هذه المرحلة من عملية التجديد بنيتنا العامة التي أسميناها «عمق ميدان مسياد»، إلى جانب علاماتنا: صندوق القيم المستقلة، وMÜSİAD INNOVA، وMÜSİAD 2023 YEREL، وأكاديمية مسياد، وMÜSİAD FUTURE، وMÜSİAD TIA، وMÜSİAD INVEST. وقد صُمّم MÜSİAD INVEST بمعنى ما بوصفه شركة استثمار ومشاركة تقوم على التمويل الخالي من الفائدة والتمويل الجماعي. أما TIA، النابعة من اتساع قاعدتنا، فهي قوة هذا النظام في الميدان.
لقد عرّفنا كل علامة من علاماتنا الميدانية بأنها إقامةُ بنية اقتصادية وطنية منتشرة في القاعدة ومستمدة منها، انطلاقاً من عناصر القوة الوطنية المتجددة، ودمجناها مع شبكة تنظيمنا الواسعة.
وسنشارك قريباً جداً التعريفات الموسّعة لهذه الهياكل مع الرأي العام في صورة حفلات إطلاق واسعة المشاركة.
الضيوف الكرام،
خلال مرحلة كورونا، كما تعلمون، انغلقنا على بيوتنا، والأهم من ذلك على أنفسنا. وإن شاء الله ستعود علينا هذه المرحلة توكلاً وتفكّراً. وإن شاء الله فقد أتاحت لنا جميعاً في هذه المرحلة فرصة التفكّر عبر أسئلة مثل: «إلى أين نحن ذاهبون؟ هل نضع الحقيقة جانباً ونعيش داخل المحاكاة وحدها؟ وهل نخسر ما في أيدينا من أجل مستقبل قد لا نراه أبداً، حين نتجاوز اليوم ونقيّم احتمالات كثيرة باسم المستقبل وكأنها واقعة؟ وما الذي في أيدينا؟»
إنها الحياة أيها الضيوف الكرام. جعلنا ربي ممن يعيشونها حق عيشها كي لا نخسر منها شيئاً.
وإذ أختم كلماتي هنا، أشكر كل من ساهم في إنجاح هذه الفعالية القيّمة التي لا جدال في أهميتها الاستراتيجية، وفي مقدمتهم سعادة رئيس جامعتنا. وأعبّر أمامكم مرة أخرى عن سعادتي بوجودي هنا، وأشكركم على صبركم. في أمان الله. أحييكم جميعاً بمحبة واحترام.