الجمعية العمومية لمسياد قونية - يونيو 2021
رئيس مسياد المؤسس الموقر،
رئيس الدورة الثانية الموقر،
رئيس حزب العدالة والتنمية في ولاية قونية الموقر،
رؤساء وممثلي عالم الأعمال في قونية والمنظمات غير الحكومية الأفاضل،
أعضاء مجلس إدارة مسياد الأعزاء،
رؤساء فروعنا القادمون من الولايات المجاورة،
رؤساء فرع قونية في الدورات السابقة،
رئيس وأعضاء فرع مسياد قونية الأفاضل،
إخوتي في مسياد الشباب ،
أحييكم جميعاً بكل احترام في جمعيتنا العمومية، أهلاً وسهلاً بكم، لقد شرفتمونا بحضوركم.
الضيوف الكرام،
على الرغم من الظروف الصعبة التي فرضتها الجائحة، يسعدني أن أبقى على تواصل مع الأناضول بقدر ما تسمح به الظروف من خلال الجمعيات العمومية لفروعنا، وأن نعقد بذلك جمعياتنا العمومية ونتبادل معكم في الوقت ذاته الأحاديث حول الأجندة الاقتصادية والتجارية والسياسية لبلدنا. ماذا قلنا؟ إن مسياد منصة رأسمالية نادرة المثال، وهي الأكثر فاعلية وانتشاراً في الميدان. وبهذه الخصوصية نفذت إلى أدق شرايين بلدنا اقتصادياً واجتماعياً، وهي تمضي قدماً بالقوة التي يمنحها إتقان أدق تفاصيل المعرفة الميدانية.
في هذه الأيام، والحمد لله، فإن ظروف التطبيع التي انتقلنا إليها، نتيجةً للأثر المتزايد للتطعيم وللسياسات الفعّالة التي طبّقتها دولتنا في إدارة الجائحة، تجمعنا أخيراً من جديد. أما التطبيع الكامل الذي سننتقل إليه مع شهر يوليو فسينعكس إيجاباً على حياتنا الاقتصادية وعلى سلامنا الاجتماعي على حد سواء.
ذلك أن هذه الجائحة لم تؤثر سلباً في توازنات الإنتاج والتجارة فحسب، بل أثّرت أيضاً في التوازن الروحي لأبناء شعبنا، بل وللأسف في حياتهم الأسرية كذلك. وقد حافظت دائماً على قناعتي بأن كل شيء سيعود إلى مساره تدريجياً. غير أنه من المفيد أن نكرر القول: إنها جائحة عالمية، والاعتقاد بأنها ستنتهي دفعة واحدة وبشكل تام حلم ساذج للغاية. وبالتدابير والدعوم والحوافز الجديدة التي سنطوّرها في مواجهة التقلبات التي ستحدث من حين لآخر، سندير نحن كدولة هذه العملية بنجاح حتى نهايتها. وفي الوقت الذي انكمشت فيه دول العالم كافة بشكل خطير، حقق بلدنا مع الصين معدل نمو معتبراً، وأثبتنا بذلك مرة أخرى مدى الديناميكية التي يتمتع بها اقتصادنا حتى في ظل أصعب الظروف.
غير أنني أرى من المفيد أن أؤكد هنا على مسألة بعينها: هل ينبغي أن يكون الفاعل الأساسي للتنمية المستدامة هو النمو، أم اقتصاد مستقر منخفض التقلبات ومدعوم باستثمارات راسخة؟ وأيهما أكثر بعثاً على الطمأنينة للصناعي وللمستثمر المحتمل على حد سواء؟ أطرح هذا السؤال باختصار هنا، وسأشارككم جوابه لاحقاً ضمن منظور واسع. فهذه هي النقطة المفصلية لقوتنا التنافسية ومزايانا في المرحلة المقبلة، في النظام العالمي الجديد وأسواقه.
الضيوف الكرام، إخوتي في مسياد،
ومع اقتراب موعد تسليمي رئاسة الجمعية، بقيتُ في ترحال دائم في كل مناسبة، من أجل بلدي ومن أجل مسياد التي نشأت في كنفها منذ تأسيسها وتوليت مهاماً في كل مرحلة من مراحلها، لكي أجسّ نبض الأناضول وألتقي بأعضائنا وأبقى على تماس معهم وأستمع إلى المشكلات القطاعية من أصحابها مباشرة وأنقلها إلى الجهات المعنية. وأستطيع القول إن عدد الأيام التي قضيتها في المركز العام بإسطنبول قليل جداً بالقياس إلى ما قضيته في الأسفار. وأنا أشعر بالسعادة والفخر بذلك. فمسياد ليست مجموعة رأسمالية محصورة في منطقة واحدة وضيقة النفوذ. إن مسياد أكثر الشهود حياةً على التاريخ الاجتماعي والسياسي والاقتصادي لهذا البلد، بل هي أحد العناصر التي بنته.
وفي الوقت ذاته، جعلتنا هذه السياسة ديناميكيين من الناحية البنيوية، سواء في الوقوف إلى جانبهم في أوقات الأزمات كالجائحة، أو في تحديد نقاط قوة أعضائنا وضعفهم في مكانها وفي حينها. فعملية التجديد التي أنجزناها خلال عامين ونصف كانت تستوجب عقلية إدارية بهذا الحجم. وأنا إذ أسلّم مهمتي إلى رفاق دربي كسباق تتابع، إنما أستودعهم نظاماً وشعاراً معاً. وأومن من كل قلبي بأن أخوّة مسياد وديناميكية مسياد ستُنبتان في داخلهما كل عقلية جديدة وتحتضنانها أغصاناً جديدة تليق بهذه الدوحة العظيمة.
الأصدقاء الأعزاء،
كما تذكرون، فإن مسار التعافي الذي ميّز تركيا عن نظيراتها من الدول، عقب الاهتزاز الأول في النشاط الاقتصادي بعد الصدمة الأولى للجائحة في العام الماضي، قد لفت انتباه العالم بأسره.
وقد نما الاقتصاد التركي بنسبة %1,8 في عام 2020 بأكمله، وأصبح في الربع الأول من عام 2021 الاقتصاد الأسرع نمواً ضمن مجموعة العشرين بعد الصين.
وقد أعربنا من جانبنا عن أننا نرى في هذا النمو البالغ %7 بشيراً بالخروج من الجائحة، وأن هذا التطور أظهر للعالم أن تركيا هي مركز الاستثمار والإنتاج والتجارة.
ونحن نؤمن بأن اتجاه النمو الإيجابي للاقتصاد التركي سيستمر في المرحلة المقبلة أيضاً، بفعل تخفيف الإغلاقات المطبّقة بسبب الجائحة وبفعل الحوافز المالية القوية.
وعلى الرغم من التباطؤ في نمو الائتمان وارتفاع أسعار الفائدة، فإن تسارع وتيرة التطعيم يعزز توقعاتنا بأن النشاط الاقتصادي سيكتسب زخماً، ولا سيما في الربع الثالث الذي يبدأ مع شهر يوليو وما بعده.
ونحن في مسياد نؤمن بأننا نستطيع بكل يسر بلوغ نمو الناتج المحلي الإجمالي المستهدف لعام 2021 بنسبة %5,8 ضمن برنامج الاقتصاد الجديد.
والبيانات الحديثة تدعم هذا التوقع أيضاً.
ومع انتعاش النشاط الاقتصادي الذي انكمش بسبب ظروف الجائحة، نؤمن بأن مساهمة الطلب المحلي في النمو ستسجل ارتفاعاً.
لقد أنهينا عام 2020 بظروف الجائحة الصعبة ونتائجها، ودخلنا أخيراً النصف الثاني من عام 2021 في ظل ظروف التطبيع.
بدأت الأنشطة الاقتصادية والتجارية التي انكمشت في العالم أجمع تنفتح أخيراً، بل وتتوسع. غير أنه فيما يخص الحصول على نصيب من الاستثمارات على وجه الخصوص، تراجعت الدول المتقدمة، بينما اجتذبت الدول النامية الاستثمارات الأجنبية المباشرة في العالم بنسبة بلغت %70. أما بلدنا فلم ينل النصيب الذي يريده من هذا التدفق الوفير.
وعند النظر إلى فترة العشرين عاماً الأخيرة، تُظهر البيانات أن مؤشراتنا في جذب الاستثمار الأجنبي المباشر قد تراجعت لأول مرة، وأن بعض المستثمرين الأجانب قد ابتعدوا عن بلدنا.
وهذا الوضع نذير بأننا على أعتاب مرحلة بالغة الحرج من حيث التنمية المستدامة في الفترة المقبلة.
إن معدل النمو البالغ %7 الذي حققناه في الربع الأول من عام 2021 رغم ظروف الجائحة الصعبة إنجاز كبير للغاية؛ غير أنه للأسف غير كافٍ لتحقيق تنمية مستدامة.
إن البيئة التضخمية التي نعيشها حالياً وارتفاع تكاليف الائتمان يُظهران أننا ما زلنا مجالاً استثمارياً محفوفاً بالمخاطر.
وهنا تقع علينا مهام كبيرة. فالاستثمار في العالم بات يُنفَّذ ويُعرَّف في ظل ظروف جديدة تماماً.
وعلينا نحن أيضاً، مواكبةً لهذا التغيير، أن نتعامل مع الاستثمار لا بوصفه مجرد دعوة شركات من دول بعينها لتكون شريكة هنا، بل بوصفه الترويج لتركيا كسوق استثماري.
علينا أن نروّج لتركيا لدى المستثمر الأجنبي المباشر بوصفها سوقاً للاستثمار والتجارة، وأن نُشغّل انتشار مسياد الميداني في الخارج كمنظومة للتجارة والاستثمار، وأن نؤسس لهذا الغرض بنية تعمل تحت المظلة العليا للدولة. وقد حُدّدت نماذج ذلك. وبهذه المنظومة ستُوجَّه تدفقات الأموال نحو الشراكة في المشاريع عبر مسياد، وهي مؤسسة أثبتت جدارتها بالثقة في تركيا، وبذلك ستُفعّل دبلوماسية الاستثمار وتجتذب إلى بلدنا شتات الاستثمار النشط في الخارج.
أصدقائي الأعزاء،
لقد أصبح مفهومان مهمان في صميم حياتنا الاقتصادية، وهما، تماماً كدبلوماسية التجارة، من خطاب مسياد من حيث المنشأ والتعريف:
- دبلوماسية الاستثمار: الإحسان في استخدام اللغة التي كوّنها الاستثمار انطلاقاً من منطق معرفة الصناعي بالصناعي وبمنظمته
- شتات الاستثمار: أن يوجّه أبناؤنا الوطنيون، الذين يفخروننا باستثماراتهم النشطة في الخارج، مجالات استثمارهم نحو بلدنا أيضاً
وكما عبّرت في اجتماع منظمة التعاون الاقتصادي للبحر الأسود الذي شاركت فيه يوم الثلاثاء في غبزة: يمر العالم اليوم بأيام يُشدَّد فيها على أهمية أن تحافظ الدول على قوتها الذاتية وأن تكون قادرة على الاكتفاء الذاتي وأن يكون لها كلمة في التنافس الدولي.
وكما كان الحال في الماضي، كذلك اليوم، تُظهر الصورة التي كشفت عنها الأزمات الجماعية أن الدول التي تسير وحدها تتأخر في إزالة الظروف والنتائج السلبية التي جلبتها الأزمة، وأنها تُترك وحيدة في هذا الشأن أيضاً. وفي هذا الإطار، حين نتمكن نحن كرجال أعمال من إدارة الدبلوماسية جنباً إلى جنب مع إمكاناتنا وجهودنا في ممارسة التجارة، تبرز تطورات اقتصادية يمكن ملاحظتها بوضوح على مر السنين. وعلينا أن نتابع هذه التطورات متابعة دقيقة.
إخوتي الأعزاء،
إننا نجوب بلدنا شبراً شبراً ونحن نفكر كيف نسهم أكثر في خدمة وطننا وكيف نكون نافعين. واليوم التقينا في قونية بكم، يا أصدقاءنا الأعزاء الذين يحملون المثل الأعلى ذاته الذي نحمله.
قونية، التي يُشار إليها أيضاً بـ“عاصمة الزراعة” في تركيا نظراً لمساحاتها الزراعية الشاسعة ومناطقها الزراعية البيئية الفرعية المتنوعة وموقعها الجغرافي وكثرة المنتجات الزراعية التي تنتجها، سجّلت في السنوات الأخيرة تطورات كبيرة في الصناعة أيضاً.
وفي قونية، التي يصلح أكثر من %90 من أراضيها للزراعة، تطورت الصناعة ارتباطاً بالزراعة، فيما سجّلت قطاعات صناعة الآلات والصناعات المغذية للسيارات والمعادن الأساسية نمواً بوتيرة كبيرة.
أصدقائي الأعزاء،
لقد أظهرت لنا الجائحة في الواقع حقيقة لم نضعها في الحسبان قط: حين توقف الإنتاج في العالم أجمع وأُغلقت الأبواب كلها، أي حين بقي كل فرد وكل أمة وحدها، كيف كان سيدبّر كل منها أمره؟ وبينما كنا لسنوات ننتج ونتاجر في ظل العولمة والرياح الاقتصادية التي بثتها في العالم، تحولت العولمة فجأة بتأثير الجائحة إلى نموذج يُتساءل عن وجوده ذاته.
وفي أثناء حساب موازين القوى الجديدة، تصدّرت الاقتصادات الآسيوية المشهد بوصفها قاعدة إنتاج ومركزاً جديداً لخطوط التوريد والخدمات اللوجستية معاً. وفي النظام العالمي الجديد الذي تتصدر فيه سياسات الحماية بصورة متزايدة، بدأت للأسف تتشكل لدينا تصورات جديدة عن التهديدات.
وفي مقدمة هذه التهديدات بطبيعة الحال: الاستخدام الفعّال للأراضي الزراعية، والاكتفاء الغذائي، وسلامة الغذاء، وأسعار الغذاء التي سترتفع بسبب الجفاف والضغط التضخمي الذي سيولّده ذلك في العالم أجمع، ووضع سياسات وطنية في مجال البذور، وتقليص الاستيراد في الغذاء إلى الحد الأدنى، والانضمام إلى فئة الدول المكتفية ذاتياً.
وإلى جانب ذلك كله، تدفعنا الظروف الصعبة التي جلبها تغير المناخ إلى الإنتاج عبر سياسات جديدة في عام 2021 وما بعده. والخطاب الأساسي الذي يفرضه علينا الاتفاق الأخضر في حقيقته هو الاستخدام الفعّال والمثمر للموارد الأساسية المتزايدة، أي الماء والتربة.
أقولها في كل مناسبة: الطاقة بلا شك أحد أهم المعايير التي تشكّل ميزان القوى في الاقتصاد العالمي. غير أن الموازين الجديدة في المرحلة المقبلة ستُبنى على مورد أكثر حيوية بكثير: الماء! ولعل الصراعات الأساسية التي تنتظرنا في المستقبل ستكون حول تقاسم موارد المياه وحروب المياه. وقد شرحت المسألة ذاتها بالتفصيل هذا الشهر في اجتماع اللجنة في البرلمان التركي الذي تناول موضوعي تغير المناخ والطاقة النظيفة. وصدقوني، لقد استمع أعضاء اللجنة باهتمام وانتباه إلى عرض مسياد ومشاريعنا والاستراتيجيات المستقبلية التي عرضتها، وقُدّم الشكر من نواب جميع الأحزاب.
وقونية من هذه الزاوية إحدى أهم أوراق تركيا الرابحة ومدنها المفصلية في النظام الاقتصادي العالمي للمرحلة الجديدة وعلى الأطلس الجيواقتصادي للعالم.
غير أن ذكر قونية كمدينة محصورة في الزراعة سيكون ظلماً لطاقتها ولمساهمتها في الدخل القومي لتركيا.
فهي بـ9 مناطق صناعية منظمة، و19 مجمعاً صناعياً صغيراً، و15 مجمعاً صناعياً صغيراً في مركز الولاية، و11 مجمعاً صناعياً صغيراً في أقضية ولاية قونية، و14 مجمعاً صناعياً خاصاً، إحدى الولايات التي تحمل على عاتقها عبء التوظيف والصناعة في الاقتصاد التركي.
ففي عام 2020 الذي تراجعت فيه الصادرات على مستوى تركيا، رفعت قونية حجم صادراتها الإجمالي بنسبة %8,3 مقارنة بالعام السابق، كما أن كون القطاعات الأكثر تصديراً فيها هي على التوالي الآلات والسيارات والحبوب/البقوليات والمواد الكيميائية والصناعات الدفاعية يكشف المسافة التي قطعها اقتصاد قونية في عموم القطاع الصناعي.
إن الثروات الثقافية والتاريخية لقونية، إحدى أكثر مدن الاقتصاد التركي ديناميكية بأكثر من 40,000 شركة صغيرة ومتوسطة، تشكّل ملامح المدينة مع تنامي الوعي بسياحة الإيمان في السنوات الأخيرة، وتسهم إسهاماً كبيراً في تنمية المدينة بـ2,5 مليون زائر سنوياً.
وقونية، التي تقع في قلب الأناضول وتستطيع الوصول براً إلى 10 ملايين إنسان في 3 ساعات وإلى 57 مليون إنسان في 6 ساعات، والتي تحفّز بفضل هذا الموقع الاستراتيجي النمو الإقليمي، هي أيضاً إحدى المحطات المهمة على الطريق الذي سلكناه من أجل تنمية اقتصادات المدن.
الضيوف الكرام، إخوتي في مسياد،
عقدنا أول أمس اجتماعاً واسع المشاركة مع مديري الاقتصاد الأفاضل في صحافتنا في فندق Conrad: وكان الغرض من اجتماعنا يقوم على وضع خارطة طريق جديدة من أجل الاستثمارات الأجنبية المباشرة المتناقصة في تركيا ومن أجل هيكلة الاستثمارات الداخلية في مواضعها وبشكل صحيح.
من خلال أعمالنا في عملية التجديد، وضعنا نموذجاً للاستثمار الذي لا يحقق للأسف الكفاءة المطلوبة إذا عُولج وحده، بوصفه عملية اتخاذ قرار وعنصراً ضمن التزامن بين الإنتاج والتجارة والاستثمار. ومن هنا تستمد الأطروحة التي عبّرت عنها في مستهل كلمتي، وهي أن النمو وحده لا يمكن أن يكون عنصراً كافياً للتنمية المستدامة، غذاءها.
والمسألة المهمة هنا هي الحاجة إلى بناء استراتيجية استثمارية جديدة من أجل كتابة قصة جديدة. وهذا يمر بطبيعة الحال عبر إنشاء منظومة شبكة استثمارية لاصطياد المستثمرين في الخارج، والأهم من ذلك عبر جعل كل مدينة، بقيمها الفريدة الخاصة بها، عنواناً للاستثمارات ذات القيمة المضافة العالية بدلاً من تجميع الاستثمار في مدن بعينها، أي عبر إعادة تخطيط اقتصادات المدن.
وفي الاجتماع الذي عقدته مع مديري الاقتصاد وجدنا أخيراً الفرصة لشرح مشروعنا لتنمية المدن وبناء علاماتها التجارية عبر قيمها الفريدة. فثمة أمر بات واضحاً تماماً: علينا أن نواكب الظروف الفريدة للنظام العالمي الجديد. وأهم هذه الأمور توجيه الاستثمارات في مساراتها الصحيحة، ولا سيما تبني اقتصادات المدن كاستراتيجية أساسية في تخطيط الاستثمارات.
وكما ذكرت قبل قليل، فقد سعيت منذ اليوم الأول الذي توليت فيه المهمة وحتى الأيام الأخيرة التي سأسلّم فيها مهمتي إلى أن أكون رئيساً لا يبقى في المركز العام فحسب، بل يحرص دوماً على جسّ نبض الميدان والتواصل معكم يا أعضاءنا الأعزاء.
لأن مسياد تعني الميدان. ومسياد بيت ووطن ومدرسة لأناس عشقوا بلدهم مثلكم ووهبوها قلوبهم. وفي كل زيارة لمدينة استمعت إلى المشكلات أو المطالب الأساسية لأعضائي، ودوّنت الاقتصاد الذي ستطوّره كل مدينة حول قيمها الخاصة.
أيها الأصدقاء الأعزاء، في المستقبل لن تتنافس الدول بل المدن، ستتنافس اقتصادات المدن. ولهذا فإن كل مدينة تتطور وتصبح علامة هي في الحقيقة مخزون رأسمالي ضخم يُضاف إلى الدخل القومي.
ففي حين بلغت نظيراتها في العالم، أي المدن ذات الخصائص المشابهة، أرقاماً هائلة سواء في حجم الإنتاج أو في مساهمتها في الناتج القومي الإجمالي، ليس من الصواب أن تبقى مدننا التي تملك القيم ذاتها محصورة اقتصادياً.
ولا يكون ذلك ممكناً إلا بتحديد القيم الفريدة للمدن، وجمع تلك القيم مع الاستثمارات والمستثمرين المناسبين، والمراقبة المستمرة لكفاءة الدعم والحوافز، وبطبيعة الحال ببناء العلامة التجارية لتلك المدينة في أثناء تحوّل القيمة إلى أصل.
الولاية العلامة التي اتخذناها نموذجاً لقونية هي مدينة Kyoto، المدينة العلامة في اليابان في الصناعة وقطاع الإلكترونيات والسياحة والنسيج. ويبلغ الناتج المحلي لتلك الولاية 115,3 مليار دولار، أما قونية فـ16,7 مليار دولار. وببرامج الحوافز والجذب المناسبة التي سننفذها، وبقيم قونية الأخرى الخاصة بها، كالزراعة وتربية الحيوان واقتصادها الغذائي أي مطبخ قونية، أرى في قونية على وجه الخصوص تلك الإمكانية لبلوغ 40 مليار دولار بل وتجاوزها.
ومن أجل إبراز هذه الإمكانية وزيادة حصة قونية في اقتصاد الولاية والبلد أكثر فأكثر، سنبذل نحن كرجال أعمال قصارى جهدنا باستثمارات جديدة وباستخدام الإمكانات القائمة إلى أقصى حد.
الضيوف الكرام،
كما تعلمون، أطلقنا في مسياد عملية التجديد استعداداً مسبقاً للنظام العالمي الجديد. وكان شعارنا عند انطلاقنا “معاً”. أما الآن فنقول “نحن هنا”. وبطمأنينة الوفاء بالوعود التي قطعتها لكم عند توليّ المهمة، وبأداء هذه الأمانة المقدسة على الوجه اللائق، نترك للمرحلة المقبلة كلمة نحن هنا. من أجل تركيا، في الإنتاج والتجارة والاستثمار، وفي كل ميادين المجتمع من الفن إلى الثقافة، وفي التكافل، ومن أجل تقدم بلدنا ورفاهه، نحن هنا دائماً.
لقد أنجزنا في إطار عملية التجديد جميع الانفتاحات التي خططنا لها ووعدنا بها تقريباً. ونحن نجني الآن ثمار هذه العملية بمشاريعنا الواسعة النطاق.
ونحن في مسياد نطوّر مشاريع تهدف إلى زيادة المساهمة في اقتصاد البلد وإلى تنمية ثقافة الشراكة بين أعضائنا.
وقد بدأت لجاننا البالغ عددها 23 لجنة تحت مظلة مجلس مسياد، بمشاريع تتلاءم مع مجالاتها الموضوعية أو القطاعية، في جمع المستثمرين والصناعيين المحتملين في الأناضول حول مشاريع بعينها.
وقد بدأت هذه المشاريع تحفّز القوة الرأسمالية في الأناضول على الاستثمار في المشاريع أو المشاركة فيها. وبالمشاريع متعددة الشركاء في الفترة الأخيرة، جرى تطوير 52 نموذج شراكة مشروع في فروعنا. ودخلت حيّز التنفيذ.
على سبيل المثال، أنشأنا بمشروعنا لقواعد الاستثمار والإنتاج نموذجاً يحوّل شركاتنا الصغيرة، التي تعاني في الإنتاج ضمن مساحات ضيقة ولا تبلغ لهذا السبب حجم الاقتصاد الكبير، إلى شركات مؤسسية جاهزة مع الوقت للانتقال إلى المناطق الصناعية المنظمة، وذلك ببناء مناطق للحياة والإنتاج تُلبَّى فيها كل احتياجاتها في البيئة نفسها. وقد أنجزنا النموذج الأولي الأول لهذا النموذج وبدأنا بالثاني أيضاً
علينا أن نؤسس قواعد إنتاج تحسباً للأوبئة والكوارث المحتمل تكرارها. فبإنشاء قواعد الإنتاج يصبح من الممكن حماية الشركات والعاملين والإنتاج في حالات الوباء أو الكوارث الشديدة ومواصلة العمل دون إغلاق تام.
ومن جهة أخرى أطلقنا بمشروعنا لمدن الزراعة الذكية مبادرة لتشجيع التنمية الريفية ودعم الهجرة العكسية بهذا الشكل وبلوغ بنية سكانية متجانسة. وقد قدّمناه نموذجاً إلى وزارة الزراعة والغابات وعرّفنا به لدى الصحافة مع وزيرنا.
وبنموذج مدن الزراعة الذكية، وبما يتيحه من فرص تستهدف السكان المتكدسين في المدن الكبرى ولا سيما مبادرات النساء والشباب، طوّرنا مبادرة لتشجيع الحياة الريفية ودعم التنمية الريفية.
واليوم يجري كثير من أعضائنا في الأناضول أعمالاً تحضيرية لتطبيق هذه المبادرة في مناطقهم.
وقد أنتجت لجاننا كثيراً من المشاريع الأخرى المماثلة ونشرتها على القاعدة.
بناء علامة للمدن في مجال السياحة الغذائية عبر الاقتصاد الغذائي وفنون المطبخ التركي، وإقامة بنى مثل سياحة الكارافان والمستشفيات الميدانية عبر شراكات متعددة، وإنشاء منصة شراء آمنة في سوق المركبات المستعملة، وإنشاء منصة آمنة لبيع العقارات وشرائها، وتنمية شركات صغيرة ومتوسطة مختارة في 20 مكاناً و23 موقعاً تماشياً مع أهداف 2023 وتحويلها إلى علامات تركية وعالمية. هذا المشروع وكثير غيره من المشاريع كانت ثمار مسيرة التجديد في مسياد.
إن علامة MÜSİAD INVEST أي (استثمار مسياد)، التي صممناها برؤية أكثر تقدماً بكثير من أجل تحويل ميزة الموثوقية لعلامة مسياد وميدانها والمدخرات المكتنزة إلى استثمارات وشراكات جماعية ضمن استراتيجيات الاستثمار في تركيا ومن أجل إرساء منظومة صناديق الاستثمار، ومنظومة MÜSİAD TIA (وكالات مسياد للتجارة والاستثمار) التي صممناها مع مكتب الاستثمار برئاسة الجمهورية من أجل الترويج لتركيا لدى المستثمر الأجنبي المباشر كسوق للاستثمار والتجارة وتشغيل انتشار مسياد الميداني في الخارج كمنظومة للتجارة والاستثمار، تحظى كأول تجربة من نوعها في تركيا بالقبول والرضا لدى دولتنا، وتُبرز في الوقت ذاته الدور المفصلي لمسياد في خارطة طريق استراتيجية الاستثمار في المرحلة الجديدة لبلدنا.
ونحن، كما شهد كثير منكم، نواصل أعمالنا دون انقطاع وسنواصلها.
وبإذن الله ستكونون بعملية التكامل هذه في الفروع سبباً في المضي بمسياد إلى أبعد من ذلك بكثير. وفي المرحلة المقبلة أيضاً سيستمر نموذج التكامل وتطوير التجارة والشراكات وبناء شبكة الاستثمار، في الداخل والخارج، من حيث توقف وبالحماسة ذاتها.
الضيوف الكرام،
وإذ أختم كلامي هنا، أتمنى أن تكون الجمعية العمومية لفرعنا سبباً للخير، وأشكر Ömer Faruk بك الذي يسلّم مهمته ومجلس إدارته، رضي الله عنهم، وأتمنى التوفيق أيضاً لـHilmi بك الذي سيتسلم المهمة ولمجلس إدارته، وأسأل الله تعالى أن تستمر مساهمات فرع مسياد قونية لعالم الأعمال في قونية ولبلدنا وأن تتزايد، وأحييكم بكل احترام ومودة.
في أمان الله.
Abdurrahman KAAN
رئيس مسياد العام