دعم كامل من مسياد لمسار تركيا بلا إرهاب:

نداء من ديار بكر للتنمية والأخوة

يا أهل ديار بكر العزيزة الطيبين، مدينة الأناضول العريقة؛ إخوتي الأعزاء، أعزائي ممثلي الإعلام،

أحييكم بأصدق مشاعري وبكل احترام ومحبة، باسم أعضائنا الذين يزيد عددهم على 14,000 عضو، وباسم 84 فرعاً في الداخل و100 فرع وممثلية في الخارج.

نعيش اليوم هنا في ديار بكر، مدينة الأنبياء والصحابة، وقلعة حضارتنا العريقة، حيث عُجن الطوب اللبن بالعرفان، حماسةً عميقة وشرفاً بوجودنا معكم.

لنا كعائلة مسياد تقليد: نجتمع برؤساء فروعنا من أنحاء تركيا كافة لمراجعة حساب كل مرحلة جديدة ولتشكيل رؤيتنا للمستقبل. وهذه اللقاءات هي مجلس الشورى لدينا، والمكان الذي يتجلى فيه عقلنا المشترك. وعادةً ما نعقد هذه الاجتماعات تحت سقف مركزنا العام في إسطنبول.

غير أننا اتخذنا هذه المرة قراراً مهماً في مشاوراتنا الداخلية. فقد كنا نعلم أن أمتنا العزيزة ووطننا الجنة، وليس مسياد وحدها، على عتبة مرحلة جديدة. ولهذا آمنّا من صميم قلوبنا بأن من المسؤولية المعنوية أن نعقد أهم لقاءاتنا عند هذه العتبة التاريخية وأن نبدأ مرحلتنا الجديدة لا في إسطنبول بل في ديار بكر، قلب حضارتنا؛ وأن نردّ دَين الوفاء لهذه الأرض، وأن نطلق نفير الإحياء من هنا بالذات، من هذه الأرض المباركة.

أصدقائي الأعزاء،

لقد كافحت تركيا على مدى ما يقارب نصف قرن، لا مشكلة أمنية فحسب، بل فتنة نسفت وحدتنا وأمننا وحقّ الأخوة بيننا ومستقبلنا المشترك. ولم يسلبنا هذا الصراع القذر أرواح شهدائنا الأعزاء الذين واريناهم الثرى فحسب، بل استهدف أيضاً آمال التنمية في هذه الجغرافيا المعطاء، وأحلام الرفاه لدى أمتنا، والأمرّ من ذلك كله، مستقبل أطفالنا فلذات أكبادنا.

لكننا اليوم، والحمد لله، نترك وراءنا مفترقاً تاريخياً بفضل فراسة أمتنا الراسخة، وحكمة دولتنا، والتضحيات التي لا مثيل لها من قواتنا الأمنية، وذلك الحسّ السليم القوي الصاعد في منطقتنا. فإلقاء التنظيم الإرهابي سلاحه وحلّه لنفسه ليس نفاد تنظيم فحسب، بل هو أيضاً بشرى بعث جديد لأخوّتنا وقرابتنا ورفقتنا التي نسجناها غرزةً غرزةً على مدى قرون.

لا ننسَ؛ نحن أمة واحدة… فهذا الشعب النبيل لم يكن على هذه الأرض مجرد جيران طوال ألف عام. بل تصاهروا فيما بينهم، وصاروا أنسباءً، وصاروا "كِروة". وقبل ذلك كله، صاروا رفاق روح في الصف الواحد. اجتمعوا حول المائدة ذاتها، وتساندوا في العزاء ذاته، وساروا معاً إلى الشهادة في سبيل الهلال ذاته. نحن أمة قدرها واحد وقبلتها واحدة وتاريخها واحد. أما من حاولوا بذر بذور الشقاق بيننا فلم يدركوا قط عمق هذه الروابط التي عجنت ملاط حضارتنا وقوتها. وها هي نهاية الإرهاب اليوم تمثّل أيضاً انهياراً أبدياً للسيناريوهات المظلمة التي استهدفت هذه الأخوة.

وبالطبع لم تأتِ هذه النهاية من تلقاء نفسها. فهذا النجاح ثمرة مشتركة للإرادة السياسية التي تجلّت بقيادة فخامة رئيسنا، ولاستراتيجية عقل الدولة الصبورة والحازمة، ولجهود قادة الرأي أصحاب الضمير في مجتمعنا، والأهم من ذلك كله، للصلابة التي أبدتها هذه الأمة العزيزة بأسرها. وهذا النصر ليس نصر فئة واحدة، بل نصر مشترك لـ85 مليوناً بأكملهم.

لنفكّر للحظة… لو لم تكن شبكة الخيانة هذه موجودة، أين كانت تركيا اليوم؟

الحسابات واضحة. فالموارد التي أنفقها بلدنا في هذا الصراع بشكل مباشر وغير مباشر تتجاوز 2 تريليون دولار. وهذا الرقم ليس كلفة اقتصادية بسيطة، بل هو ثمن أحلام مؤجلة وآمال مسلوبة، وثمن أنين الفلاح في Cizre وفي Yüksekova الذي اضطر إلى أن يزرع الخوف في حقله بدل البذور. ويعني هذا الرقم أن الثروة التي كانت ستتدفق من تلك الأرض المعطاء سُرقت من مائدة أمة بأكملها لا من مائدة أهل المنطقة وحدهم. فبينما تقع مدينتنا غازي عنتاب المتاخمة لأورفا ضمن أول 30 مدينة في مستوى التنمية، ماذا جرى على مقربة منها حتى لم تتمكن أورفا من دخول أول 60؟

تصوّروا، بالموارد التي أُنفقت حتى اليوم كان يمكننا أن نبني في هذه الأرض مئات المشاريع بحجم مشروع GAP؛ وأن نحوّل خير الفرات ودجلة لا إلى الحقول فحسب، بل إلى مصانع وأبواب عمل جديدة. وكان يمكن اليوم أن يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي لبلدنا 3 تريليونات دولار، وأن يرتفع دخل الفرد لدينا فوق مستوى 30,000 دولار، وأن ننقل بلدنا بهذه الموارد الهائلة التي أُنفقت إلى مصاف أكبر 10 اقتصادات في العالم.

وهذا التحليل ليس وثيقة تشاؤم. بل على العكس، هذه الصورة خارطة طريق تشير إلى نقطة انطلاق أكبر وثبة نمو لتركيا في القرن المقبل، وإلى موضع أكبر كنز خفيّ لديها.

فما هي إذن الصورة الراهنة للمنطقة بعد هذه الكلفة الباهظة؟ إن الأرقام تُظهر لنا بوضوح عمق الجراح وحجم الإمكانات معاً:

  • وبيان ذلك أن المنطقة تعيش انفصالاً استراتيجياً عن مجمل اقتصاد البلاد. فبينما لا يخرج من هذه الأرض سوى 5 ليرات تقريباً من كل 100 ليرة من الدخل القومي الذي ننتجه، انخفضت حصتها في الإنتاج الصناعي إلى ما دون 3 بالمئة، وحصتها في الصادرات إلى ما دون 1,4 بالمئة. وهذا يدل على ضعف العمود الفقري الإنتاجي للمنطقة وعلى عزلها فعلياً عن المنافسة العالمية. وهذه الصورة ليست قدراً، بل مشكلة بنيوية يجب حلّها.
  • ومن جهة أخرى، فإن أكبر معضلة في المنطقة هي مفارقة الخير والجمود. فعلى الرغم من أن هذه الأرض تقع في قلب بلاد الرافدين، فقد بقيت حصتها في الإنتاج الزراعي دون إمكاناتها بكثير عند مستوى 13 بالمئة. والأهم من ذلك أن منطقتنا تملك كنزاً لا يقدَّر بثمن من الشباب، غير أن هذه الفرصة الديموغرافية تتحول إلى دوامة هجرة وبطالة بسبب ضيق أبواب العمل. وبينما تبلغ البطالة على مستوى البلاد 9-10 بالمئة، فإن ارتفاعها في محافظاتنا هذه إلى نحو 25 بالمئة يعني تأجيل أمل شاب من كل أربعة من شبابنا. وهذا وضع غير مستدام.

لقد حان وقت الانطلاق لا وقت الانتظار! لقد آن أوان استخدام هذا المورد الهائل لا في الدفاع ضد الإرهاب، بل في هجوم من أجل التنمية.

ونحن ننظر إلى هذه الصورة لا بوصفها خسارة، بل بوصفها إمكانات هائلة تنتظر من يملؤها، وجوهرةً تنتظر من يوقظها.

الضيوف الكرام،

وهذا الباب الجديد الذي انفتح اليوم نور أمل ليس لتركيا وحدها، بل للعراق وسوريا وجميع جغرافيتنا المجاورة أيضاً. وفي هذه المرحلة الجديدة ستستمد تركيا قوتها الوحيدة من أبنائها مجدداً، أي من أمتها العزيزة التي صارت قلباً واحداً بتركها وكردها وعربها ولازها.

وعند هذا المنعطف التاريخي، نتحمّل كمسياد مسؤولية ونوجّه من هنا نداءً إلى تركيا كلها: نناشد جميع منظمات مجتمعنا المدني ونقاباتنا وغرفنا، وفي مقدمتها المؤسسات المظلّة الكريمة الأخرى في عالم أعمالنا: تعالوا لا نكن مجرد متفرجين على رؤية تركيا بلا إرهاب. تعالوا نكن مهندسي هذه الرؤية، وجنوداً للإحياء. تعالوا نتحمّل هذه المسؤولية التاريخية معاً. ونحن كمسياد مستعدون للقيام بما يقع على عاتقنا، ونخطو الخطوة الأولى من هنا:

1. سننشئ دون إضاعة الوقت، بالتعاون مع فروعنا في المنطقة، مجموعة عمل خاصة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وسنكون في الميدان اعتباراً من اليوم. 2. وبإقامة علاقات وثيقة مع جميع غرف التجارة والصناعة والمناطق الصناعية المنظمة والتعاونيات الزراعية في محافظات المنطقة، سنحدد المجالات التي يمكننا الوصول فيها إلى نتائج سريعة من أجل التنمية في الصناعة والزراعة.

3. وسندعم منظومة ريادة الأعمال على مستوى المنطقة عبر صندوق رأس المال الجريء المستقل الذي أنشأناه داخل مسياد.

4. وستبدأ مجالس قطاعاتنا الستة عشر أعمال تطوير الأعمال المتعلقة بالقطاعات ذات الأولوية التي تنطوي على إمكانات في المنطقة والتي نؤمن بأنها ستؤدي دور القاطرة في تنميتها، وفي مقدمتها الزراعة والسياحة والتجارة.

5. ومن أجل توفير فرص العمل للشباب الذين سيشكلون أكبر قوة للمنطقة، وبجعل المدارس المهنية المتعلقة بالقطاعات التي تحتاج إلى كوادر في المركز، سنصمّم برامج رعاية بالتعاون مع فروعنا في المنطقة.

وكل استثمار وكل مدخنة مصنع في هذه المناطق لن يكون باب عمل فحسب، بل سيكون أيضاً خَتماً مطبوعاً على وحدتنا وأخوّتنا.

وأخيراً أود أن أؤكد مجدداً أن هذه العملية ليست نهاية، بل بداية جديدة مشرّفة. وثقتنا كاملة بأن جميع الأطراف التي تتحمّل مسؤولية في هذه العملية ستبقى وفيةً بالوعد الذي قطعته لأمتنا، ولن تَعِد هذه الأرض بغير السلام. ونحن كمسياد سنواصل أن نكون أكبر متابع وداعم لهذه العملية في الحياة المدنية.

لأننا نعلم ونؤمن بأن خميرة حضارتنا متينة. وهي الخميرة المشتركة للبذرة التي زرعها السلطان ألب أرسلان في الأناضول، ولراية العدل التي حملها صلاح الدين الأيوبي إلى القدس، ولأجدادنا الذين ساروا كتفاً إلى كتف نحو الشهادة في تشاناق قلعة. وهذه الخميرة هي أكبر ضمانة لمستقبلنا المشترك.

وبهذه المناسبة، أشكر رؤساء فروعي الذين قدموا اليوم إلى ديار بكر من أنحاء تركيا كافة ويتنفسون معنا مناخ الأخوة هذا الممتد إلى تركيا كلها، وأشكركم أنتم أعزاءنا ممثلي الإعلام، وأود أن أختم كلمتي بأبيات Cahit Sıtkı Tarancı، أحد شعرائنا البارزين الذين أنجبتهم هذه الأرض؛

أريد وطناً

لتكن السماء زرقاء، والغصن أخضر، والحقل أصفر؛

وليكن دياراً للطيور والأزهار.

أريد وطناً

لا همّ في الرأس ولا شوق في القلب؛

ولتكن نهاية لاقتتال الإخوة.

أحييكم جميعاً بكل احترام…