المعرض الثاني عشر للموارد البشرية والتوظيف في هاتاي

الاقتصاد التركي والتوظيف

جامعة İskenderun التقنية – الحرم الرئيسي

3 ديسمبر 2019

سعادة قائمقام İskenderun،

سعادة رئيس بلدية İskenderun، رؤساء الجامعات الأفاضل،

ممثلي عالم الأعمال ومنظمات المجتمع المدني والأوساط الأكاديمية الكرام،

ممثلي الإعلام المحلي والوطني الكرام،

أعزائي الشباب،

سيداتي، سادتي،

قبل أن أبدأ كلمتي، أسأل الله الرحمة لجندينا Harun Çınar الذي نال الشهادة في Tel-Abyad في سبيل تأمين أمن بلادنا وأمتنا، وأعزّي أمتنا في مصابها.

اليوم، 3 ديسمبر، هو اليوم العالمي للأشخاص ذوي الإعاقة؛ فحين نكون معاً، وحين نتشابك الأيدي، لا توجد عقبة نعجز عن تجاوزها. وبهذه المناسبة أقول: “أكبر عقبة هي انعدام المحبة”، وأتمنى أن تزداد المحبة والوعي في 3 ديسمبر، اليوم العالمي للأشخاص ذوي الإعاقة.

ضيوفنا الأعزاء،

أعبّر عن سروري بالوجود في هذه الفعالية التي جمعتنا هنا تحت عنوان الاقتصاد التركي والتوظيف، وأحييكم بكل احترام ومودة.

الضيوف الكرام،

التوظيف، أي القوى العاملة، أي المورد البشري المتعلّم والمنتج المنفتح على الإنتاج. ونحن حين يتعلق الأمر بالإنسان نفضّل استخدام مفهوم “القيمة” لا “المورد”. وكذلك الأمر داخل مسياد؛ فاسم القسم هو القيم البشرية.

فالإنسان قيمة، وهو أمانة من الله. وحسن رعاية هذه الأمانة على أفضل وجه من أهم الواجبات الملقاة أولاً على الإنسان نفسه، ثم على لبنات البناء الاجتماعي في كل مرحلة.

لذلك، إذا كنا نتحدث عن الاقتصاد والتوظيف، فعلينا أن ننزل إلى جوهر المسألة وأن نكثّف بحثنا عن الحلول هناك. أي التعليم.

انظروا، هنا، تحت سقف بيت للتعليم والتربية، نرى في الحقيقة عقولاً تُصقل مرحلةً بعد مرحلة كما يُصقل الحجر الكريم؛ وبمعنى ما نرى غد اقتصاد بلادنا وبنيتها الاجتماعية.

والأيدي الماهرة التي تصقل هذه العقول هي بلا شك أساتذتنا.

وبهذه المناسبة، وباسم رئيس جامعتنا الموقّر، أودّ أن أحيّي بكل إجلال جميع أساتذتنا الذين يؤدون هذه المهمة المقدسة هنا وفي كل بقعة من وطني، وفي كل الظروف، دون كلل أو ملل. كما أودّ أن أهنئكم بمناسبة يوم المعلم الذي مرّ قريباً.

جعلكم الله أعزاء في الدارين، وجعلكم لنا دليلاً على الدوام حرمةً لصفة العالِم.

أودّ، إن سمحتم لي، أن أبدأ كلمتي بحكاية؛

يُروى أنّ:

شخصاً لا يعرفه دخل في منام فيثاغورس، أحد تلاميذ سيدنا سليمان، ثلاث ليالٍ متتالية.

وصف الرجل الذي في المنام لفيثاغورس شاطئ بحرٍ ما، وألحّ عليه كثيراً في أن يذهب إليه. وبحسب الرجل، ينتظر فيثاغورس على ذلك الشاطئ علمٌ لم يعرفه أحد حتى ذلك اليوم، لكنه سيكون مفتاحاً لكل ضيق.

وهذا العلم سيكون هبةً من الله له. وفي الأيام التالية وجد فيثاغورس الشاطئ المذكور في المنام وانتظر هناك.

لكنه رأى أن لا أحد هناك ليعلّمه هذا العلم. فبدأ بصبر الفيلسوف وإصراره يذهب إلى هناك كل يوم، غير أن ما كان يبحث عنه هذه المرة لم يكن إنساناً بل قرينةً تمنحه هذا العلم.

لأنه يعلم أن الخالق العظيم إذا أراد أن يهب علماً لأحد أخفاه في قرائن نظر إليها الجميع مراراً دون أن يروها.

مع أن كل شيء ظاهر للعيان.

غير أننا لا نتعلّم إلا في الوقت وبالقدر الذي يأذن به.

بالنسبة لعينٍ تُحسن النظر وعقلٍ يجد جوابه في التوحيد، فكل شيء ظاهر للعيان. لقد بسط الخالق كوناً مفعماً باكتشافات لا نهائية في خدمة أعيننا ومداركنا. أما ما نستخلصه منه فمرتبط بكيفية نظرنا. والتعليم يعلّمنا كيف ينبغي أن ننظر، ويعوّد عقولنا على الصبر والانتظار والتجربة والعزيمة.

ولنعد إلى حكايتنا؛

يعثر فيثاغورس في النهاية على القرينة. فعلى الشاطئ كان بضعة حدّادين يطرقون الحديد تباعاً بفواصل من ثوانٍ.

أصغى فيثاغورس إلى هذه الأصوات بصبر، ففتحت له أبواب مفهوم مختلف تماماً: الإيقاع. ومنذ تلك اللحظة بدأ فيثاغورس يسمع في كل أصوات الطبيعة رنين الانتظار والاستمرار والطَّرق.

صوت الموج على الشاطئ، والحجارة التي تضرب لحظياً ومتواصلاً، والريح، وأصوات الطيور، والمطر الذي يبدأ بالهطول…

وكلها، ضمن مدى صوتي معيّن وبمستويات نغمية مختلفة، تبدو وكأنها تكمّل الكلّ نفسه.

وهكذا أُودعت لفيثاغورس تلك القرينة الظاهرة للعيان، التي سمعها الجميع مراراً حتى ذلك اليوم دون أن يدرك أحد كلّها.

لقد أدرك ذلك الفيلسوف المصرّ الانسجام. وفي المرحلة التالية بدأ يضفي على هذه الأصوات قيمة رياضية ومقياساً. وهكذا تطوّر اللحن.

وتبعه علماء آخرون فوُلدت آلات تحاكي الأصوات. النوتات والسلالم والفواصل والأوزان والموازين والدساتين والمقامات. وباختصار: الموسيقى.

الضيوف الكرام،

لو لم يصبر فيثاغورس بأدب التعلّم الذي تلقّاه من معلّمه؛

ولو لم يغذِّ عقلُه المتعلّم إحساسَه بالعناية بالتفاصيل؛

ولو لم يطوّر التعليمُ زواياه في النظر،

ولو لم يؤمن فيثاغورس بالتجربة ويكن مصرّاً وعازماً؛

ولو لم يسمح بالطبع لمواهبه بأن تُصقل كالنقش في أيدٍ عانية وأن تتألق في مجال يوائم تلك المواهب، لربما كنا اليوم عاجزين حتى عن إعطاء معنى لأصوات الطبيعة، فضلاً عن أن نسمع قوة الموسيقى الشافية.

فالتعليم مفتاح كهذا. وكل معرفة ظاهرة للعيان أودعها الله لدينا لا يمكن أن تتحول إلى أعمال نوعية إلا على أيدي عقول متعلّمة.

لنتحدث عن الاقتصاد، لكن الاقتصاد هو إدارة الموارد الشحيحة. وهو لا يتناول بوصفها موارد الموارد الطبيعية وحدها، بل الإنسان في المقام الأول. لأن الإنسان الذي هو قيمة يمثّل في الحقيقة القوة المحرّكة للاقتصادات.

لأن الذي يصنع التغيير ويحقق الإنتاج ويحوّل الفكرة إلى منتج هو العقل البشري والجهد البشري.

في الأسبوع الماضي، وفي إطار Vizyone 19، تناولنا النظام العالمي الجديد الذي ينتظرنا تحت عنوان المستقبل الرقمي. وقد أطلعنا ضيوفنا، وهم من أبرز الاستراتيجيين وخبراء التحول الرقمي في العالم، على النظام العالمي الجديد.

غير أن خطاباً مشتركاً برز لديهم جميعاً: “الذكاء الاصطناعي أو الأنظمة الذكية، مهما كان اسمها، فإن أهم ورقة رابحة في المستقبل الذي ينتظرنا تبقى العقل البشري والجهد البشري الذي سيدير هذه الأنظمة”.

ولا تزال أهم ورقة اقتصادية في عالم المستقبل، وبإصرار، هي الإنسان.

لقد قلت في كلمة الافتتاح قولاً، ولا أرى بأساً في تكراره هنا: كما يخدم الذكاءُ العقلَ، فإن التطور الرقمي اليوم يدير ويسرّع تغيّر معاييرنا ونماذجنا الاجتماعية السياسية والاقتصادية.

غير أنه قد يتسبب في بعض الجوانب بأضرار لا يمكن الرجوع عنها.

لأنه يجعلنا عاجزين عن الحديث عن الإنسان واستمرار الإنسانية. وكما قال كاتب تركي: الإنسانية تلفظ أنفاسها بين أيدينا.

ولذلك، مهما بلغ حجم التحول الذي بات على أبوابنا، فإن ما سيبقينا واقفين هو القيمة التي نمنحها للإنسان وعمليات التعليم التي ستزيد من قيمته.

ضيوفنا الأعزاء،

نرى اليوم أن حتى القواعد الاقتصادية في العالم تتغيّر.

الرأسمالية تغيّر تعريفها بل ومنهجها.

ونشهد حروباً تجارية بالغة الشراسة. والموازين تتغيّر بالمعنى الحقيقي.

وأقولها في كل مناسبة: نحن نطمح إلى أن نكون من يصمّم، لا من يتكيّف مع التصميم.

نحن على وشك تجاوز خط حدودي جديد. وعالم جديد كلياً يتشكّل.

فالدول التي عرفها العالم بالأمس قوى مطلقة توشك اليوم أن تترك دورها على المسرح لدول مثل الصين والهند لم تكن في الحسبان قبل ثلاثين عاماً.

واليوم، حتى حين نتناول مشروع الحزام والطريق وحده، نرى قرائن كبيرة على تصوّر العالم الذي سنواجهه في المستقبل.

والنظام الاقتصادي الجديد يتّجه نحو آسيا، لا سرّاً بل علناً.

والعلاقات التجارية الجديدة التي نصفها بالحروب التجارية تديرها إلى حد بعيد منظومة العلاقات التي نسمّيها “الدبلوماسية التجارية”.

وفي حين تمسك الدول بزمام الخطوات الكبرى المتّخذة فعلاً، فإن قابلية تطبيق سياسات الدولة على الأرض تتعزّز بجهود منظمات المجتمع المدني.

وعناصر القوة الوطنية يُعاد تعريفها.

ويُضاف إلى مفهوم الحدود مفهوما أمن الحدود وبناء المناطق الآمنة

وأوروبا العجوز تتوصّل إلى قناعة بأن العنصر الذي يهدّد تماسكها الداخلي هو نفسها.

الأبواب تُغلق، لأن الهجرة باتت تهديداً وورقة رابحة في آن واحد.

وعلى صعيد الإنتاج والطلب، تدخل السياسات الحمائية حيّز التنفيذ في مواجهة قوة الصين وآسيا.

وهذه السياسات والانتخابات المتكررة باستمرار تقوّي التيار القومي في العالم.

والنظام الذي يستخدم النقد كسلعة بدأ يعمل على سلاسل قيمة بديلة خاصة به تخلّصاً من النقد. والتعددية يُعاد الحديث عنها

والتغيّر في السلوكيات الاقتصادية يتحرّك لتشكيل البنى الاجتماعية على هيئة مجتمعات منغلقة على ذاتها.

وبعد أن فقد الاختراق الثقافي دوره في فتح أسواق منتجة للرأسمالية الحديثة، يدور الحديث حول كيفية استخدام مفهومي التوطين والمحلية في الاستثمار وفي صناعة العلامات التجارية للمدن على السواء.

وخلاصة القول، إن العالم بات مكاناً مختلفاً تماماً أيها الضيوف الكرام.

وعلينا أن نقرأ هذا الاختلاف، هذا التحول الكبير، قراءة صحيحة.

ومع كل هذا التغيّر تتغيّر بالطبع المهن التي ستبرز في المستقبل والتي ستشكّل المستقبل.

وهذا التغيّر لن يظهر بالصورة نفسها في كل بلد وكل مجتمع.

لأن الشيفرات الثقافية والاجتماعية لكل مجتمع تؤثر مباشرة في صناعته وفهمه للإنتاج وتقاليده وقطاعاته الاستراتيجية.

ولذلك ينبغي في مسار التحول أن يكون تحليل الاحتياجات دقيقاً أيضاً. وهذا التحليل الصحيح سيفيدنا على صعيد الاستدامة.

ضيوفنا الأعزاء،

نحن، بوصفنا رجال أعمال وصناعيين، نؤكد في كل مناسبة على أهمية التعليم والتأهيل المهني.

لكن علينا أن نحسن التمييز في مسألة: وفق أي معايير سننفّذ التعليم والتدريب المهني؟

علينا كبلد أن نخطط جيداً لموقعنا الذي نريده في المستقبل. وجواب هذا السؤال ستحدده نتيجة هذا التخطيط.

إن التخطيط بخارطة طريق مرسومة جيداً وتوجيه شبابنا وفقها هما أهم خطوتين للسير بقوة نحو المستقبل.

بدأ الاقتصاد التركي منذ فترة يتخلص من آثار الصدمات العالمية التي تعرّض لها ويدخل مسار إعادة التوازن.

أما استعادة اتجاه النمو فتمرّ بالطبع عبر إحسان التخطيط للإنتاج والتجارة.

فما يحدّد القوة النقدية للدول هو قوتها وقدرتها الإنتاجية.

انظروا، أعلن معهد الإحصاء التركي (TÜİK) أمس أرقام الناتج المحلي الإجمالي والنمو للربع الثالث. وبالتوازي مع توقعات السوق انتقلنا إلى نطاق نمو قدره % 0.9.

غير أن هذه النسبة لا تكفي لإنهاء العام بسلسلة نمو.

وحين ننظر في تفاصيل الأرقام نجد أمامنا نقص الاستثمار والركود في القطاع الصناعي.

وبالطبع، حين نقارنها بالربعين الأخيرين، بل وحين نتناولها بوصفها استجابة لصدمات العام الماضي، فإن هذه الأرقام مبشّرة إلى حد كبير.

لكنها ليست كافية. لأن الاقتصاد القوي لا يكون ممكناً إلا بدورة سليمة لنظام إنتاج وتجارة مستمر ومنتج.

ومن الأمور التي كررنا قولها بوصفنا مسياد أن الإسهامات التي سنقدّمها لمخزون رأس مالنا الوطني ستضعنا في موقع قوي بوصفنا قوة اقتصادية وطنية في ساحة التنافس العالمية.

أما مخزون رأس مالنا الوطني فيمرّ عبر صناعة محلية قوية ونظام استثماري موطَّن.

وبقدر ما نقلّل حاجتنا إلى الاستثمار الخارجي ونحسن بناء منظومتنا الإنتاجية، يمكننا أن نكون صامدين أمام الصدمات الاقتصادية في العالم.

في الأسابيع الماضية زار مؤسستنا خبراء من منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، وطرحوا أسئلة عن كيفية صمود الاقتصاد التركي على هذا النحو رغم صدمات بهذا الحجم. وقد تحدّث لهم خبراؤنا ورئيس لجنتنا المختصة عن البنية الفريدة للاقتصاد التركي.

وقد أخذت الدهشة خبراء المنظمة، الذين لم يعرفوا هذا الاقتصاد الفتيّ عالي العزم إلا من بعيد ومن خلال التضليل وألاعيب الإدراك السلبي، كلما أصغوا إلى ديناميكياته الداخلية.

فمن نظامنا المحاسبي إلى ثقافة التكافل في ديناميكياتنا الاجتماعية؛ ومن كيفية عمل ظاهرة الهجرة إلى البنية الاقتصادية الإقليمية في تركيا التي تتألف من نماذج اقتصادية فرعية وتعمل كمكوّنات متجزّئة لكن متكاملة، تعلّموا أشياء كثيرة على أرض الواقع.

ودوّنوا التصورات والمقترحات بشأن كيفية نقل الثروة البالغة تريليونات الليرات، التي لا تتدفق إلى البنية الاقتصادية بل تبقى معطّلة في النظام المصرفي، إلى النظام الاقتصادي.

وقد أصابتهم صدمة حقيقية إذ قالوا: “لم نكن نعلم أن هذه الأمور على هذا النحو. إذن أنتم تملكون فعلاً بنية اقتصادية تحتية قوية”.

ودُهشوا حين سمعوا بنماذجنا القائمة على الشراكة لا على الدَّين، وقالوا: “هذه منظومة حلول نادرة المثيل في هذا العالم”.

مع أن المسائل تبدو مختلفة تماماً حين يُنظر إليها من بعيد أو يُقترب منها بالأحكام المسبقة وحدها دون معرفة أين ينبغي النظر، أليس كذلك؟

مع أن كل شيء ظاهر للعيان بالنسبة لعينٍ تُحسن النظر. يكفي أن يكون الجميع بصبر فيثاغورس، وأن يحترموا المعلومة الصحيحة وينفتحوا على التعلّم. أليس كذلك أيها الضيوف الأعزاء؟

لكن إن كنا نغرز الإبرة في غيرنا هنا، فعلينا أن ندّخر المِخيَط لأنفسنا.

يبدو أننا نحن أيضاً لم نتقن بعد إلى هذا الحد التعريف بأنفسنا وإظهار إمكاناتنا ولعب اللعبة بقواعدها.

وعند هذه النقطة نصل مجدداً إلى المكان نفسه: التعليم ووجود قوة عاملة متعلّمة ومؤهّلة.

لأننا إن لم نكسر منطق “ليمرّ بمسار تعليمي ما، وليدرس ما شاء المهم أن ينهي الجامعة” وندِر العملية بشكل صحيح، فسنجد صعوبة في منع ازدياد عدد “العاطلين المتعلّمين”.

ولأننا إن لم نضع تخطيطاً تعليمياً وتوظيفياً صحيحاً يوائم أهدافنا الاقتصادية، فقد نصبح عاجزين، ناهيك عن الحديث عن مهن المستقبل، حتى عن الحديث عن مستقبل مهننا، وبالتالي عاجزين عن تعريف العالم بأنفسنا وبإمكاناتنا كما ينبغي.

علينا أن نخطط جيداً لرؤانا العامة من قبيل: “أي قطعة من الأحجية العالمية تريد تركيا أن تمثّلها في المستقبل”.

التعليم والتأهيل المهني مهمان جداً بالطبع، لكن وفق ماذا، أي وفق أي معايير سننفّذ ذلك؟

وأين سنضع أنفسنا حتى نوجّه أجيالنا وفق ذلك في المجالات المهنية؟

وأخيراً هناك مسألة أخرى: هل نعرف شبابنا ومواهبهم والمجالات التي يميل إليها الجيل القادم أكثر؟

أي هل لدينا دراسة لتشخيص “إدارة المواهب”؟. كل هذه الأسئلة أسئلة ينبغي أن نجيب عنها في بداية الطريق تماماً. وإلا فإننا، إن لم نعرّف نماذجنا الأساسية تعريفاً صحيحاً، سنظل ندور في حلقة مفرغة.

وكما حدث في الزيادة الهائلة في خريجي “قسم أو كلية إدارة الأعمال” التي فضّلناها في وقتها لأن عائدها مرتفع وكلفتها قليلة، فقد نجد أنفسنا مستقبلاً وجهاً لوجه مع مشكلة توظيف مجموعات مهنية أخرى ربما لن نتمكن من الاستفادة منها إطلاقاً.

ضيوفنا الأعزاء،

ينبغي، دون تقييد لما سيأتي به المستقبل، أن تُعرَّف المهن انطلاقاً من الفروع الأساسية وبتركيز على “نقل الموهبة”، وأن تُصاغ البنية الاجتماعية والاقتصادية لتركيا وفق ذلك.

وعند تقييم مهن المستقبل؛

1. ينبغي تحليل متغيّرات المرحلة تحليلاً جيداً

2. ينبغي تقييم التعليم المهني وما قبله وما بعده على أرضية مشتركة.

تحليل الاحتياجات ليس مسألة تتعلق فقط بالموقع الذي تريد الدولة أن ترى نفسها فيه. بل ينبغي إبراز الفرق بين “التعليم” و“التأهيل المهني” إبرازاً جيداً.

الجامعات والمعاهد العليا والمدارس الثانوية مؤسسات أُنشئت بالطبع باسم التأهيل المهني، لكن هل يصحّ القول إن الشباب الذين يتخرجون منها قد مرّوا بتعليم حقيقي؟

فكما أن العمل والمهنة مفهومان منفصلان، فإن المهنة والتعليم يحملان تعريفين منفصلين بالقدر نفسه.

فالإدارة مثلاً ليست مهنة بل عمل. غير أن أغلب الشباب الخريجين يقفون أمامنا وهم لا يرضون بأي عمل، ظنّاً منهم أنهم سيصلون بعد عام أو عامين إلى منصب “مدير”.

ولهذا أيضاً لا يستطيعون تقديم جواب واضح على سؤال: ما مهنتك؟ فالإدارة عمل، بل منصب. وهي ليست معرفة مهنية فحسب، بل هي في الوقت نفسه

o التكيّف مع ثقافة المؤسسة

o احترام القيم الأخلاقية

o الجدارة والولاء المؤسسي

o مسار طويل من التدريب داخل المؤسسة، وبالطبع

o شكل من أشكال التكليف يُكتسب نتيجة الخبرة. أما الجانب الآخر من تحليل الاحتياجات فتقف فيه رغبات ومطالب الصناعي، أي صاحب العمل.

وجواب سؤال: ماذا نريد نحن؟ ينبغي أن يكون واضحاً أيضاً. وأصحاب العمل شديدو المطالب في هذا الشأن.

وإلى جانب ذلك نطلب بالطبع المهارة اليدوية والمهنية، والقدرة على التعلّم السريع، وبنية شخصية طموحة لكن غير مخالفة للأخلاق الشخصية.

وبالطبع فإن فئة أصحاب العمل محقّة من وجهة نظرها، لكن ثمة أمر يفوتنا: “هل تمكّن نظامنا التعليمي من بلوغ دورة تدريب تلبّي كل هذه المطالب؟”

وثمة مشكلة أخرى تنتظر الجواب: إلى أي مدى يحمل الجيل الجديد معايير الجيل السابق من صبر وقناعة وتفكّر وتوكّل واحترام وتقبّل، أم هل هو مضطر لحملها أصلاً؟

نحن نتحدث عن الجيل Z، أليس كذلك؟ إذن، إلى أي مدى نعرف نحن، بوصفنا فئة أصحاب العمل، هذا الجيل.

في الأشهر الماضية أجرى مكتب الموارد البشرية في رئاسة الجمهورية استطلاعاً واسع النطاق على الموظفين العموميين في تركيا ونشر نتائجه. وقد جاءنا بمجموعة أسئلة تشمل العمر والمستوى التعليمي والفوارق الثقافية والفوارق العرقية، أي كل المتغيّرات.

وباستطلاع كهذا كان ينبغي في الحقيقة أن نتوقع ظهور خارطة المواهب في تركيا. غير أن ما ظهر هو عدم التوافق بين العمل والعامل، أي بين العمل ومن يؤديه.

وفي النهاية ظهرت إحدى مشكلاتنا الأساسية: هل نوظّف الشخص المناسب في العمل المناسب؟ وكيف نعدّ الشخص المناسب للعمل المناسب؟

أماكن العمل هي في الحقيقة مدارس للخريجين الجدد. ولهذا عرّفنا مسياد بوصفها “مدرسة”.

أما الآن فنحن نحوّلها إلى “أكاديمية”. أي نعيد هيكلتها على شكل أكاديمية تُخرّج رجال أعمال أو بيروقراطيين أو تكنوقراط.

لأن الحياة المدرسية بنية مؤسسية تمنح شبابنا معرفة مهنية فحسب. في حين ينبغي أن يكون عالم الأعمال مكاناً يصوغ أولئك الشباب.

ولهذا الغرض، وكدليل على الأهمية التي نوليها للتعليم المهني، أسّسنا في إطار مسار التجديد لدينا لجنةً تركّز على التخطيط التعليمي والتعليم التقني المهني.

وهدفنا من تأسيس هذه اللجنة هو دعم تخطيط التوظيف في الاقتصاد وتطوير مشاريع ذات طابع تعليمي مهني تتلاءم مع تركيا المستقبل.

ومن الأمور الأخرى في هذا الإطار ضرورة تقديم تدريب لشبابنا في موضوع أخلاقيات العمل والآداب المؤسسية.

ضيوفنا الأعزاء،

ومن الأمور الأخرى التي ينبغي أن نؤكد عليها ونحن نتحدث عن الاقتصاد والتوظيف ضرورةُ إعداد مناهج جديدة للمهن التقليدية تتوافق مع إيقاع المستقبل.

لن نتمكن من التخلي عن المهن التقليدية بهذه السرعة. لكن بيدنا أن نضيف إلى مناهجها مقررات من فروع وتخصصات مختلفة، أو أن نزيد من إلزامية التدريب الميداني.

ولا نقصد هنا مفهوم التعليم متعدد التخصصات. وسيلزم بالطبع التطرق إلى ذلك الجانب أيضاً.

إنما نتحدث هنا فقط عن إثراء الفروع المهنية التقليدية وتحديثها عبر مقررات من تخصصات مختلفة لكنها قريبة.

فمن الضروري مثلاً أن يُدعَّم الشباب الذين يدرسون الاقتصاد بمقررات في الرياضيات والمقررات القطاعية وعلم النفس الاجتماعي والقانون والحاسوب.

وكذلك ينبغي إثراء شبابنا الذين يدرسون إدارة الأعمال أو المحاسبة – المالية – بتدريبات في الدبلوماسية العامة والقانون الضريبي والاقتصاد والتمويل والنمذجة. ومثال آخر: لنأخذ القانون.

إنه فرع مهني لا غنى عنه تماماً كالطب، أليس كذلك؟ لكن ابتعاد رجال القانون عن مقررات مثل الاقتصاد وإدارة الأعمال وإدارة الجودة والإنتاج الصناعي والهندسة الصناعية يتركهم للأسف قاصرين في ظروف السوق.

أي خلاصة الأمر: مجيء مهن جديدة أمر حتمي بالطبع، لكن من الضروري أن يمرّ الخريجون الحاليون، أو الشباب الذين ما زالوا يدرسون في المهن التقليدية ريثما نُكمل تخطيطنا، بتحديثات في المناهج تُعدّهم لمتطلبات العصر الجديد.

ضيوفنا الأعزاء،

إن عالم المستقبل سيكون ممكناً في الحقيقة بأفضل صقل للعقول الشابة التي تصمّم النظام.

لأن هذه العقول هي في الحقيقة كالمهندسين الذين يصمّمون النظام. أي ينبغي اكتشاف العقول الخاصة وإخضاعها لتعليم خاص.

والمقصود هنا هو اصطياد المواهب. لأن هؤلاء الأطفال والشباب بيننا وينتظرون بصمت أن يُكتشفوا.

وبالتعبير الدارج، لا تستطيعون إبقاء هؤلاء الأطفال الموهوبين ثابتين في مجال واحد. فمجال واحد لا يكفي إخوتنا هؤلاء ولا يشبعهم.

وأقول من جانبي إنهم عدّاؤو ماراثون بالفطرة.

علينا ألا نفكر في هندسة النظم في المجال التقني وحده، بل أن نتناولها كنموذج إداري بل كملمح لمدير. وبهذا المعنى يمكن القول: نعم، إن ملمح مدير المستقبل هو مهندس النظم.

لأنهم منفتحون على الانتقال بين التخصصات، ولأن إخضاعهم لتعليم متعدد التخصصات يعني في الحقيقة حلّ عملية عبر شخص أو شخصين، وهي عملية كانت ستحتاج إلى عدد كبير من الموظفين وربما تعاني مشكلات في التزامن، وذلك في تطبيق إدارة العمليات وإدارة الأزمات وتقنيات حل المشكلات واتخاذ القرار.

فمهندسو النظم يضمنون اجتماع كل عناصر النتيجة المرجوّة على نحو متقن ووظيفي.

ثم يحدّدون تفريعات كل الأنشطة التخصصية ويصمّمون المسارات التي ستُنفَّذ فيها الأعمال.

والأهم أنهم يضمنون تنسيق معلومات التصميم مع الفرق التخصصية الثابتة.

ونحن بحاجة إلى سياسة تعليمية وتخطيط مناهج منفصلين لتخريج مهندسي النظم.

ضيوفنا الأعزاء،

آخر ما أودّ التطرق إليه هو ضرورة مساعدة طلابنا كذلك في ميولهم الشخصية وتطورهم.

المدرسة مؤسسة تعليمية. لكن الحياة تقتضي أن يكون المرء متعدد الجوانب ونشطاً.

إن نسب مشاركة خريجينا الجامعيين أو طلابنا في منظمات المجتمع المدني منخفضة جداً. وينبغي بالطبع ألا ننسى أن ذلك ناجم أيضاً عن مشكلات الكوادر والإدارة في بنى المجتمع المدني في تركيا.

لكن الشباب ينضجون في هذه الأماكن، ويتشكّلون فيها. وتولّي الشباب مهامّ فاعلة في منظمات المجتمع المدني محاكاة لحياتهم المستقبلية. ونحن نهدف في إطار مسياد الشباب إلى أن يتعرّف الشباب على الصناعة والقطاعات في سن مبكرة جداً وأن يكتسبوا الخبرة. ولهذا الغرض جدّدنا بنية مسياد الشباب لتكون أكثر فاعلية وتشاركية بكثير.

ومن الأمور الأخرى أن الشباب الذين يستعدون للمستقبل لا يبذلون جهداً في تطورهم الشخصي. وما هي هذه الأمور؛

نحن أمام شباب بعيد عن قراءة الكتب والبحث.

فالقراءة ليست هواية لأوقات الفراغ، بل ضرورة.

تبدأ في سن مبكرة جداً وتضع المرء وجهاً لوجه أمام احتمال وجود حيوات أخرى. أي تتركه وحده مع نفسه.

والإنسان الذي يقرأ يملك القدرة على الابتكار، ويطوّر قدرته على التعاطف، ويعبّر عن مشاعره براحة أكبر بكثير.

أما من لم يكتسب عادة القراءة في شبابه فلا نستطيع للأسف التدخل معه بعد سن الأربعين. فمن لا يقرأ لا يمكنه أن يجدّد نفسه أو ينعشها.

وأعتقد أن عادة عدم القراءة هذه تكمن أيضاً في أساس مشكلات تعلّم اللغات لدى الشباب في تركيا.

لأن الشباب، كلما ابتعدوا عن مفهوم الفضول، ظنّوا أنهم سعداء بالحياة التي بين أيديهم. لكنهم، لأنهم لا يعرفون القناعة أيضاً، يواصلون للأسف حياتهم العملية وسط خيبات الأمل بسرعة عالية وقدرة أو رصيد منخفض، ويمكن القول إن جيلاً غير سعيد قادم.

أي خلاصة الأمر: الطموح العالي يحتاج إلى وضوح عالٍ!

الضيوف الكرام،

لا يمكن أن نتخذ قراراً صحيحاً وسديداً في أي موضوع لم نتحدث عنه ولم نناقشه.

وسننتقد أنفسنا عند اللزوم بأكثر الصور واقعية، وسنضع نواقصنا على الطاولة لنبلغ الصواب. فالنقد الذاتي والمحاسبة الذاتية من أهم شروط الخطوة الصحيحة.

وأودّ أن أعبّر عن أنني أجد هذه الفعالية بالغة القيمة لأنها ذكّرتنا مرة أخرى بهذه المحاسبة، ونحن رجال أعمال وصناعيين وأكاديميين في المقام الأول.

أشكر كل من ساهم فيها، وأحييكم بكل احترام ومودة.

Abdurrahman Kaan

رئيس مسياد العام