عشاء غالا مسياد قونية

25 يونيو 2021

معالي الوزير، سعادة المحافظ، رئيس بلدية المدينة الكبرى، أعضاء مجلس إدارة مسياد الكرام،

ممثلي عالم الأعمال الكرام في قونية من مسياد،

أعزائي ممثلي إعلامنا الوطني والمحلي،

بفرحة اللقاء بكم في قونيتنا التي نسعد دائماً بالتواجد فيها، أحييكم جميعاً بكل احترام؛ أهلاً وسهلاً بكم، لقد شرّفتمونا.

معالي الوزير، الضيوف الكرام،

إن قونية، التي تُعرف أيضاً بأنها “عاصمة الزراعة” في تركيا بفضل مساحاتها الزراعية الواسعة ومناطقها الفرعية الزراعية البيئية المتنوعة وموقعها الجغرافي والمنتجات الزراعية الكثيرة التي تنتجها، قد حققت في السنوات الأخيرة تطورات كبيرة في الصناعة أيضاً. غير أن قراءة مساهمة قونية في اقتصاد البلاد من خلال الزراعة وحدها ستكون ظلماً لإمكاناتها. فقونية ليست إحدى قلاع مسياد القوية في الأناضول فحسب، بل هي في الوقت نفسه إحدى القوى القاطرة لبلادنا في مجالي الصناعة والتجارة.

وأنا أؤمن بأن القيم والإمكانات التي تحتضنها مدن مثل قونية ستُعدّ في المستقبل، ولا سيما ضمن القيود الاقتصادية العالمية لما بعد الجائحة، عوامل مفتاحية لموقعنا على الأطلس الجيوستراتيجي للعالم.

معالي الوزير، الضيوف الكرام، وإخوتي الأعزاء في مسياد،

إن النظام الاقتصادي العالمي الجديد الذي نشأ مع الجائحة وبعدها، وكذلك ظروف الحياة الجديدة التي لم نشهد مثلها من قبل والتي أوجدها تغيّر المناخ، قد أظهرت لنا في الحقيقة واقعاً لم نحسب له حساباً قط: القدرة على تدبّر أمر النفس والاكتفاء الذاتي.

وإن دققتم النظر، ففي الأيام الأولى للجائحة، وبينما أغلقت دول العالم كافة أبوابها في وجه بعضها البعض، شاهدنا إلى أي حال وصلت دول متحضرة كثيرة تقدّم نفسها إلى العالم بصفة المعلّم في الديمقراطية وحقوق الإنسان، حتى في مسألة الكمامات والمعقمات. والحمد لله أننا لم نسحب يد العون عن أحد حتى في تلك الفترات. لأن هذا هو معنى أن تكون حضارة عريقة. بل إن شركاتنا الوطنية أجرت خلال مدة قصيرة جداً بعض التغييرات على خطوط إنتاجها وحققت تسارعاً سريعاً في إنتاج الكمامات والمعقمات. وهذا وحده الدليل على امتلاك اقتصاد ديناميكي.

إن تركيا في أوقات الأزمات تُظهر بشكل ما سلوكيات اقتصادية سريعة وفاعلة لا تُقارن بمنافسيها في العالم، سواء بفضل بنيتها السكانية النشطة أو، من حيث ميدان الإنتاج، بفضل بنى الشركات الصغيرة والمتوسطة المرنة القادرة على تغيير خطوط الإنتاج وعلى الانتشار القطاعي، وبالطبع بفضل انخفاض تكاليف اليد العاملة. والمسألة الآن هي تطوير الاستراتيجيات وخرائط الطريق المناسبة لكي ننال نصيبنا الحق من بيئة التجارة والاستثمار التي نشأت بعد المسار الذي بدأ مع الجائحة.

لقد أغفلنا في الحقيقة، ونحن نحدد تصوراتنا الاقتصادية لسنوات طويلة عبر العولمة وما أملته علينا من قواعد مزعومة، أمراً بالغ الأهمية: الإنتاج. وإن دققتم النظر، فمنذ عام 2016 وقبل الجائحة كانت قوة الإنتاج المتراجعة بشكل دراماتيكي، ولا سيما في الاقتصادات المتقدمة، تترك مكانها للدول النامية حتى في المواد الخام والتوريد. وإضافة إلى ذلك، كان الانخفاض التدريجي في معدلات النمو لدى الدول المتقدمة من عام 2015 حتى عام 2020 يُنقل بنداً إضافياً إلى خانات نمو الدول النامية.

وبينما كان العالم لا يزال يحافظ على مفهوم الإنتاج في الشرق، كانت الاقتصادات الغربية قد أسّست لنفسها منظومة اقتصادية مالية تدور حول مفهوم للنقد يُتداول فيه المال بوصفه سلعة، ويُعرَّف في أسواق المشتقات بأنه سند وعد بمعاملة آجلة لا وجود له في الحقيقة. وللأسف كنا نحن، الاقتصادات النامية مثل اقتصادنا، نتأثر كثيراً بهذه المنظومة الاقتصادية المالية بسبب هشاشة بنانا الرأسمالية. وما زلنا نرى هذا الأثر. أما الحل، وكما أقول دائماً، فهو اعتماد المفاهيم الاقتصادية الحقيقية القائمة على الإنتاج أساساً في تفسير المشكلات الاقتصادية.

إن المرحلة الجديدة تحمل معها تهديدات وضرورات اقتصادية جديدة أيضاً. وفي مقدمتها بالطبع: الاستخدام الفعّال للأراضي الزراعية، والاكتفاء الغذائي، وسلامة الغذاء، وأسعار الغذاء التي سترتفع بسبب الجفاف وما سيولّده ذلك من ضغط تضخمي في العالم أجمع، ووضع سياسات وطنية في مجال البذور، وتقليص الاستيراد في الغذاء إلى الحد الأدنى، والدخول في فئة الدول المكتفية ذاتياً. وبقدر ما تستطيع تركيا أن تحوّل لصالحها بيئة التصور الإيجابي التي أوجدتها الجائحة، فإنها ستخرج رابحة من هذه المنافسة.

وإلى جانب كل ذلك، فإن الظروف الصعبة التي جلبها تغيّر المناخ تدفعنا نحو الإنتاج عبر سياسات جديدة في عام 2021 وما بعده. إن الخطاب الأساسي الذي يفرضه علينا الاتفاق الأخضر في الحقيقة هو الاستخدام الفعّال والمنتج للموارد الأساسية المتناقصة باطراد، أي الماء والتربة.

أقولها في كل مناسبة: إن الطاقة بالطبع من أهم المعايير التي تشكّل ميزان القوى في الاقتصاد العالمي. غير أن الموازين الجديدة في المرحلة المقبلة ستُقام على مورد أكثر حيوية بكثير: الماء! إن الصراعات الأساسية التي تنتظرنا ربما في المستقبل ستكون على تقاسم موارد المياه وحروب المياه. وقد شرحت المسألة نفسها بالتفصيل هذا الشهر في اجتماع اللجنة التي تناولت موضوعي تغيّر المناخ والطاقة النظيفة في البرلمان التركي.

إن التقرير الذي أعدّته الأمم الأمم المتحدة في هذا الشأن عام 2020، وكذلك التقرير الذي أعدّه المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية (IFRI)، يؤكدان أن السبب الأساسي للحروب والصراعات في العالم اعتباراً من عام 2030 وما بعده سيكون الماء. غير أن الصراعات الخطيرة التي بدأت منذ العام الماضي في العراق ومالي والنيجر مؤشرات على أن هذا التاريخ سيُقدَّم أكثر. وللأسف فإن تركيا ليست بلداً غنياً بالمياه، وعليها أن تتبنى سياسات أكثر فاعلية بكثير في ما يخص المياه المستخدمة في الزراعة والصناعة على حد سواء، وأن تبدأ من الآن أعمالاً مؤثرة، ولا سيما في مجال قانون المياه الذي ينظّم تقاسم المياه الدولي.

إننا نولي أهمية بالغة لدورنا في الاتفاق الأخضر الأوروبي الذي طرحه الاتحاد الأوروبي بوصفه خريطة الطريق الجديدة التي ترسم إطار سياسته الصناعية واستراتيجيته للنمو الاقتصادي في المرحلة المقبلة.

ويمكننا القول إن كثيراً من صناعيينا داخل مسياد يبذلون جهداً مكثفاً لخفض الانبعاثات الناتجة عن إنتاجهم إلى أدنى مستوى، ولاستخدام مزيد من منتجات الطاقة المتجددة، ولزيادة كفاءة مواردهم. كما أن مشاريعنا التي طوّرناها في هذا الشأن هي واجبنا كما هو الحال دائماً، من أجل بناء عالم المستقبل وحمايته منذ اليوم.

لأن مسياد، بتاريخها العريق الممتد 31 عاماً، ليست منصة رأسمالية فحسب، بل هي في الوقت نفسه سقف مشترك يجتمع تحته أصحاب القلوب الشجاعة الذين يهمّهم أمر بلادهم ويقفون تماماً إلى جانب دولتهم ويقولون “نحن موجودون من أجل هذا الوطن”. وبابنا مفتوح لكل من يفكر ويشعر بهذه الطريقة.

وفي الإنتاج الزراعي، وفي الوصول إلى الغذاء الآمن والماء النظيف، وفي الطاقة النظيفة أيضاً، فإن مسياد مستعدة لخدمة بلادنا

وقونية، إذا نُظر إليها من هذه الزاوية أيضاً، هي إحدى أهم أوراق تركيا الرابحة ومدنها المفتاحية في النظام الاقتصادي العالمي الجديد، في النظام العالمي الجديد للعالم. وهي من أكثر المدن حساسية سواء في بيئة الندرة المحتملة التي ستبدأ مع الاحتباس الحراري أو في ميزتنا في أن نصبح المنتج الغذائي الموثوق للعالم عبر الاستخدام المنتج للأراضي الزراعية.

وفي قونية، التي يصلح أكثر من %90 من أراضيها للزراعة، تطورت الصناعة تبعاً للزراعة، فيما سجّلت قطاعات تصنيع الآلات والصناعات المغذّية للسيارات والمعادن الأساسية نمواً بوتيرة كبيرة جداً.

غير أنه ينبغي عدم نسيان بند الصناعة أيضاً. وبالطبع فإن معدل النمو البالغ %7 الذي حققته تركيا في الربع الأول من عام 2021 رغم أصعب ظروف الجائحة إنجاز لا يمكن تجاهله. غير أن النمو وحده ليس شرطاً كافياً للتنمية المستدامة. فالنمو ذو التقلب المرتفع يقدّم للأسف بيئة استثمار وإنتاج شديدة المخاطرة بالنسبة للقطاع الصناعي. ولتأسيس منظومة استثمار وإنتاج موثوقة علينا ألا نكتفي بالنمو الداخلي والتصدير فحسب، بل أن نتابع مسألة جذب الاستثمارات الخارجية المباشرة إلى بلادنا، ولا سيما تفعيل شركاتنا الصغيرة والمتوسطة ضمن هذه الاستثمارات.

إذاً، ما الشروط الأساسية لنمو مستدام؟

إن جواب هذه الأسئلة يمر عبر وضع استراتيجيات استثمارية صحيحة، والقدرة على جذب الاستثمارات الأجنبية إلى بلادنا، وإقامة شبكة اقتصادية عالية القيمة المضافة حول اقتصادات المدن.

إن علينا أن نواكب الظروف الخاصة بالنظام العالمي الجديد. وأهمها هو توجيه الاستثمارات في القنوات الصحيحة، ولا سيما اعتماد اقتصادات المدن استراتيجيةً أساسية في تخطيط الاستثمار.

فبينما بلغت المدن النظيرة لها في العالم، أي المدن ذات الخصائص المشابهة، أرقاماً هائلة من حيث حجم الإنتاج ومساهمتها في الناتج القومي الإجمالي، ليس من الصواب أن تبقى مدننا التي تملك القيم ذاتها محصورة اقتصادياً.

ولا يتحقق ذلك إلا بتحديد القيم المميزة للمدن، وجمع تلك القيم مع الاستثمارات والمستثمرين المناسبين، والمراقبة المستمرة لكفاءة الدعم والحوافز، وبالطبع عبر تحويل المدينة إلى علامة في أثناء عملية تحوّل القيمة إلى أصول.

وأنا أرى تلك الإمكانات في قونية على وجه الخصوص.

فبتسع مناطق صناعية منظّمة، و19 موقعاً صناعياً صغيراً، و15 موقعاً صناعياً صغيراً في مركز الولاية، و11 موقعاً صناعياً صغيراً في أقضية ولاية قونية، و14 موقعاً صناعياً خاصاً، فهي إحدى الولايات التي تحمل على عاتقها عبء التوظيف والصناعة في الاقتصاد التركي.

وفي عام 2020، حين تراجعت الصادرات في عموم تركيا، زادت قونية حجم صادراتها الإجمالي بنسبة %8,3 مقارنة بالعام السابق، وكون القطاعات التي صدّرت فيها أكثر ما صدّرت هي على الترتيب: الآلات، والسيارات، والحبوب/البقوليات، والمواد الكيميائية، والصناعات الدفاعية، إنما يكشف أيضاً عن المسافة التي قطعها اقتصاد قونية في عموم القطاع الصناعي.

فعلى سبيل المثال، بلغت حصة قونية، التي احتلت المرتبة الخامسة في تركيا في صادرات الآلات وأجزائها عام 2020، من الصادرات الموجّهة إلى هذا القطاع مستوى %6,7.

وكذلك احتلت قونية، التي تبلغ حصتها من صادرات بلادنا في قطاع السيارات %1,6، المرتبة الثامنة في تركيا عام 2020 بصادرات سيارات قيمتها 421,3 مليون دولار.

واحتلت قونية، وهي إحدى الولايات البارزة في الصناعات الدفاعية والطيران أيضاً، المرتبة الرابعة بصادرات قيمتها 153,5 مليون دولار وحصة %6,7 في هذا القطاع.

وقونية، التي تملك إمكانات تصديرية تفوق وارداتها بكثير، تُعدّ من هذه الناحية إحدى ولاياتنا النادرة التي تحقق فائضاً في التجارة الخارجية.

وقونية، الواقعة في قلب الأناضول والتي تتيح بموقعها الوصول براً إلى 10 ملايين إنسان في 3 ساعات وإلى 57 مليون إنسان في 6 ساعات، والمحفّزة للنمو الإقليمي بفضل هذا الموقع الاستراتيجي، هي أيضاً إحدى المحطات المهمة على الطريق الذي سلكناه من أجل تطوير اقتصادات المدن.

الضيوف الكرام،

في الاجتماع الذي عقدناه قبل أيام مع مديري الاقتصاد بمشاركة واسعة جداً، وجدنا أخيراً الفرصة لشرح مشروعنا لتنمية المدن بقيمها المميزة وتحويلها إلى علامات. ففي وقت بدأت فيه الأنشطة الاقتصادية والتجارية المنكمشة في العالم كله تنفتح أخيراً بل وتتوسع، وبينما تتراجع الدول المتقدمة خصوصاً في نيل حصة من الاستثمارات، وتجتذب الدول النامية الاستثمارات الخارجية المباشرة في العالم بنسبة تصل إلى %70، فإن عدم حصول بلادنا على نصيبها المستحق من هذا التدفق المثمر يكشف بالطبع عن ضرورة وضع خريطة طريق جديدة كلياً لتخطيط الاستثمار. .

علينا أن نعرّف بتركيا بوصفها سوقاً للاستثمار والتجارة أمام المستثمر الأجنبي المباشر، وأن نشغّل انتشار مسياد الميداني في الخارج كمنظومة تجارة واستثمار، وأن نؤسس لذلك بنية تعمل تحت مظلة الدولة العليا. وقد حُدّدت نماذج ذلك. وبهذه المنظومة ستُوجَّه تدفقات الأموال نحو الشراكة في المشاريع في تركيا عبر مسياد، وهي مؤسسة أثبتت موثوقيتها، وبذلك ستُفعَّل دبلوماسية الاستثمار ويُجتذب شتات الاستثمار النشط في الخارج إلى بلادنا. وقد سمّينا ذلك اختصاراً M-TIA، أي منظومة وكالات مسياد للتجارة والاستثمار.

معالي الوزير، الضيوف الكرام، وإخوتي الأعزاء في مسياد،

لقد بات مفهومان مهمان في صميم حياتنا الاقتصادية، وهما أيضاً، تماماً كدبلوماسية التجارة، من خطاب مسياد من حيث المنشأ والتعريف:

1. دبلوماسية الاستثمار: حسن استخدام اللغة التي يشكّلها منطق معرفة الصناعي للصناعي ولمنظمته في الاستثمار

2. شتات الاستثمار: توجيه عناصرنا الوطنية، التي تبعث فينا الفخر باستثماراتها النشطة في الخارج، مجالات استثمارها نحو بلادنا أيضاً

ولا يتحقق ذلك إلا بتحديد القيم المميزة للمدن، وجمع تلك القيم مع الاستثمارات والمستثمرين المناسبين، والمراقبة المستمرة لكفاءة الدعم والحوافز، وبالطبع عبر تحويل المدينة إلى علامة في أثناء عملية تحوّل القيمة إلى أصول. أي أن إحدى الركائز الثلاث لمنظومة شبكة الاستثمار هذه تمر عبر مسار تنمية المدن بقيمها المميزة وتحويلها إلى علامات.

يجب تحويل الولايات إلى علامات وتحويل أصولها القائمة إلى قيمة، أي تحديد إمكاناتها تحديداً سليماً وزيادة قيم الولايات باستثمارات مناسبة لتلك الإمكانات. فلكل مدينة قيمها الخاصة بها. وتحوّل هذه القيم إلى أصول عالية القيمة المضافة يجعل من تلك المدينة علامة ويزيد مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي. وإن مقارنة مدننا بالمدن النظيرة ذات الخصائص المشابهة في العالم وفق معايير محددة، وتطبيق أساليب وعمليات إنتاج القيمة المضافة التي تعتمدها النماذج العالمية في مدننا أيضاً، سيزيد مساهمة مدننا في الدخل القومي ويجعلها في الوقت نفسه عناصر مكتفية ذاتياً.

وحين تنظرون اليوم، فإن المدن البارزة بإنتاجها الداخلي ومساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي التي تضاعف الدخل القومي لكثير من الدول، تستطيع بوصفها قيمة علامة أن يكون لها في الإنتاج العالمي كلمة أكبر حتى من كلمة بلدانها نفسها. وصدقوني، إن هذا يمر عبر مفهوم الاكتفاء الذاتي.

إن اكتشاف القيم المميزة والاستراتيجية لكل مدينة ومواردها وقطاعاتها وتوجيهها وتشغيلها على النحو الصحيح، هذا هو التخطيط السليم. ونحن انطلاقاً من هذا المنطق طابقنا الولايات مع نظيراتها الأجنبية. وكيفية نقل النظيرات الأجنبية لقيم مماثلة إلى الدخل القومي بقيمة مضافة أعلى قد تكون مثالاً لمدننا أيضاً، أو خريطة طريق تُدعم باستثمارات مناسبة.

وفي الجمعية العمومية صباح اليوم أعلنّا الولاية التي حددناها نظيرةً لولايتنا قونية………………………………………………………….. سيادة الرئيس، هنا يمكنكم أن تشرحوا باختصار الولاية التي طابقتموها مع قونية وسبب ذلك.

وأنا أرى تلك الإمكانات في قونية على وجه الخصوص.

ونرى أن قونية، بوصفها عاصمة الزراعة، صدّرت في عام 2020 نحو 270 مليون دولار من الحبوب والبقوليات، و85 مليون دولار من المنتجات السمكية والمنتجات الحيوانية، و46 مليون دولار من منتجات الفاكهة والخضار. وحين تضاف إلى ذلك الفاكهة المجففة ومنتجاتها، والزيتون وزيت الزيتون، والفاكهة والخضار الطازجة، ونباتات الزينة ومنتجاتها، نرى أن الصادرات من المنتجات الزراعية والحيوانية بلغت نحو نصف مليار دولار.

معالي الوزير، الضيوف الكرام،

كما يُذكر، فإن التعافي الذي ميّز تركيا عن نظيراتها العام الماضي، بعد الانهيار الأول في النشاط الاقتصادي إثر الصدمة الأولى للجائحة، قد لفت انتباه العالم أجمع.

وكان الاقتصاد التركي، الذي نما بنسبة %1,8 في عام 2020 كاملاً، أكثر الاقتصادات نمواً ضمن مجموعة العشرين بعد الصين في الربع الأول من عام 2021.

ونحن نؤمن بأن التنمية المستدامة ستعمل لصالح تركيا بعد الجائحة إذا ما تحقق التقاء مدننا بخطط استثمارية ومستثمرين مناسبين لقيمها الخاصة.

ومع عودة الحياة إلى النشاط الاقتصادي الذي انكمش بسبب ظروف الجائحة، نؤمن بأن مساهمة الطلب الداخلي في النمو ستسجّل ارتفاعاً. وكما يُذكر، فقد رأينا في الربع الأول أن مساهمة الاستهلاك الداخلي في النمو بلغت 4,7 نقطة.

وأود أن أؤكد نقطة هنا: حيث لا إنتاج لا يمكننا الحديث عن استهلاك أيضاً. ولهذا السبب لا يمكننا القول إن الذين يريدون، في كل مرحلة تبلغ فيها بلادنا معدلات نمو مرتفعة، أن يخلقوا تصوّر “الاقتصاد التركي ينمو بالاستهلاك فقط.” هم أصحاب نية حسنة.

ففي كل مرحلة تكون فيها ظروف الطلب الداخلي نشطة، تسجّل الطاقة الإنتاجية للاقتصاد التركي ارتفاعاً أيضاً. وأوضح دليل على ذلك أن قطاع الصناعة توسّع في الربع الأول بنسبة %11,7 وأن الصناعة التحويلية توسّعت بنسبة %12,2.

والنقطة المهمة هنا هي أن يُلبّى الإنتاج الذي يستجيب للطلب الداخلي بالموارد المحلية قدر الإمكان. وكون مساهمة صافي الطلب الخارجي في النمو في الفترة المذكورة قد بلغت 1,1 نقطة يشير إلى أن الاقتصاد التركي قد اجتاز مرحلة ناجحة في مسألة “القدرة على الاكتفاء الذاتي”.

وبالطبع فإن ما يقع علينا هو جعل ذلك مستداماً. ولهذا علينا من جهة أن نبقي ظروف الطلب الداخلي نشطة، ومن جهة أخرى أن نضمن بقاء صادراتنا فوق وارداتنا بشكل دائم. إن وضع خرائط طريق جديدة لتخطيط استثماراتنا واستخدام مدننا في هذا الإطار على أفضل وجه، وضمان أن تسهم كل مدينة من مدننا في الاقتصاد الوطني بقدر ما تسهم به المدن العالمية النظيرة لها، يجب أن يكون هدفنا نحن في مسياد وهدف تركيا في المرحلة الجديدة على حد سواء.

إن مسياد، وهي من أوسع المنظمات الرأسمالية انتشاراً في العالم، تعيد هيكلة انتشارها الميداني في الداخل والخارج على شكل شبكة من أجل الإمساك باصطياد المستثمرين وبمعلومات الاستثمار، أي بالاستخبارات الاقتصادية، من يد واحدة.

فبينما بلغت الاستثمارات المباشرة في آسيا نحو 476 مليار دولار، أصبحت الصين بـ163 مليار دولار الدولة الأكثر جذباً للاستثمار المباشر في العالم.

أما الاستثمارات الموجّهة إلى تركيا فقد سجّلت انخفاضاً بنسبة 19 بالمئة مقارنة بعام 2019، وللأسف بلغت في نهاية المطاف 6,8 مليار دولار في عام 2020. وفي الأشهر الأخيرة من هذا العام نرى للأسف قيماً سالبة. أي أننا نشاهد انسحاب المستثمرين من بلادنا بنسبة كبيرة.

ونحن في مسياد ندافع عن أن فلسفة الاستثمار في المرحلة الجديدة يجب أن تكون تبنّي منطق تحويل تركيا إلى سوق الاستثمار في العالم. وهذا بدوره يمر عبر أن نضع في أذهاننا أن الاستثمار لا يُنظر إليه كمعاملة شبيهة بالتجارة، بل على العكس كعملية اتخاذ قرار طويلة الأمد.

فكلنا صناعيون وكلنا في وجه من الوجوه مستثمرون. ولن يكون من الخطأ تناول المستثمر الأجنبي من هذه الزاوية أيضاً والنظر إليه بوصفه يتحرك ضمن أنماط سلوك مشابهة لأنماطنا. ففي النهاية كلنا بشر ونتحرك بأنماط سلوك متشابهة.

إن المستثمر حين يأتي إلى بلد ما ينظر في ما إذا كانت بعض الإمكانات الأساسية مناسبة له: فهو يبحث أولاً عن أنسب منطقة توفّر المواد الخام لاستثماره، ويستقصي وجود مناطق إنتاج تكون شبكات اللوجستيات فيها مواتية له، ويفضّل البلدان التي تكون فيها المشكلات المكانية وبالطبع نفقات التأسيس وإجراءاته في حدها الأدنى وبسيطة، وينظر المستثمر الكبير إلى قدرة الإنتاج ومستوى المأسسة لدى الشركات الصغيرة والمتوسطة التي سيسند إليها إنتاجه الفرعي. ويحسب مساهمة تكلفة اليد العاملة وجودتها في استثماره. ويستقصي إلى أي مدى ستشكّل مشكلات البنية التحتية في المنطقة التي سيستثمر فيها عائقاً.

وكل ذلك في الحقيقة حسابات تُجرى من أجل خفض علاوة مخاطر الاستثمار، وكل منها خطوة من خطوات عملية اتخاذ القرار.

ونحن في مسياد، وكما تعلمون، أطلقنا أيضاً مشروع قواعد الإنتاج والاستثمار من أجل جعل الإنتاج الداخلي أكثر إنتاجية ومن أجل إعداد شركات صغيرة ومتوسطة مؤسسية ومتينة يستطيع المستثمر الأجنبي أن ينفّذ فيها إنتاجه الفرعي. وقد اكتمل أيضاً النموذج الأولي لهذا المشروع الذي أُنجز بدعم معالي وزيرنا وعنايته وحضر افتتاحه.

والهدف هنا هو مراكز حاضنة مدمجة للشركات الصغيرة والمتوسطة تضم كل شيء، من المدرسة المهنية إلى المستودع الجمركي، ومن أماكن الإقامة إلى الأنشطة الرياضية والثقافية، من أجل الشركات التي لا تستطيع النمو بسبب المشكلات المكانية لكنها واعدة على صعيد الإنتاج. وهذه القواعد هي أيضاً بالنسبة للمستثمرين الأجانب عنصر ثقة في تخطيط الإنتاج الداخلي ونموذج عمل يسهّل عمليات الاستثمار في الإنتاج الداخلي.

إن جعل الاستثمار قابلاً للعمل في بلد ما لا يقتصر على القرارات الكلية للمستثمر الأجنبي وحدها. فاليوم يوجد في العالم تصور للاستثمار يسير بالتوازي مع أحجام المستثمر المحلي أو رأس المال المقيم وقيمها العينية.

معالي الوزير، الضيوف الكرام، إخوتي الأعزاء في مسياد

منذ اليوم الأول لتولّي مهمتي حاولت باستمرار، عبر أسفاري الداخلية والخارجية، أن أجسّ نبض ميدان مسياد على صعيد الأعضاء والشركات معاً. والمدة التي أمضيتها في المركز العام قليلة جداً. وهدفي هنا كان التماس المباشر مع أبناء شعبنا، ونقل مطالبهم وتوقعاتهم مباشرة إلى أجهزة الدولة المعنية، وبالطبع ضمان أن تصبح السياسات التي تحددها دولتنا فاعلة ومفهومة في الميدان، والمساعدة في المواضع المتعثرة على صعيد تطبيقها. لأن منظمات المجتمع المدني جسور بين الدولة والشعب، وهكذا ينبغي أن تكون.

فإن كنت تدير منظمة منتشرة لا في تركيا وحدها بل في العالم أجمع مثل مسياد، فلن تكون مجرد مدير، بل ستكون عند الاقتضاء أخاً أكبر وصديقاً وأخاً. وستشرح أحياناً كالمعلّم وستعرف أحياناً أن تصغي كالتلميذ. وستعرف قواعد البيروقراطية وتلتزم بها وتُبدي التفهّم، وستعرف في الوقت نفسه أن تحمل بين الحين والآخر جزءاً من العبء الذي على كتفي السياسي. آلاف الأعضاء وموظفوهم وعائلات هؤلاء الموظفين… وستتصرف بعدل وأنت تعلم أن كل هذه المسؤولية على عاتقك حين تتخذ قراراً. وستهتم بأمر الوطن وستنتقل عند الاقتضاء من مدينة إلى أخرى بلا نوم من أجل الوطن، تماماً كما في جولاتي هذه. وستنتج مشاريع جديدة وتطلق مسارات جديدة.

لقد حاولت أن أضمّن سنوات رئاستي الأربع لمسياد مشاريع كثيرة وصداقات لا تُحصى ومئات الزيارات وبالطبع عملية التجديد. وبتجديد مؤسستي التي أفخر بالانتماء إليها جعلناها الأنسب لشروط النظام العالمي الجديد. والحمد لله سأسلّم هذه المهمة بعد وقت قصير. وإن شاء الله لم نترك خلفنا مكسور الخاطر وتركنا الناس راضين عن خدمتنا.

وإذ أختم كلامي هنا، أقدّم شكري لمعالي وزير البيئة والتمدين على تشريفه لنا.

وأشكر كل من ساهم في هذه الفعالية الجميلة التي كانت سبباً في اجتماعنا هنا اليوم، وفي مقدمتهم رئيس فرع قونية، وأحييكم بكل احترام ومحبة.

Abdurrahman KAAN

رئيس مسياد العام