اجتماع تشاوري حول أفق أوروبا وبرامج الاتحاد الأوروبي في محور العلاقات التركية الأوروبية مع مسياد—-16 أكتوبر 2020-عبر الإنترنت

سعادة نائب وزير الخارجية ورئيس دائرة الاتحاد الأوروبي،

سعادة رئيس TÜBİTAK، أعضاء مسياد والمشاركون الكرام،

أحييكم جميعاً بكل احترام؛ أهلاً وسهلاً بكم.

إن برنامج أفق 2020، الذي صمّمته استراتيجية أوروبا 2020 لجمع كل البنى التمويلية المتعلقة بالبحث والابتكار تحت سقف واحد، يشكّل أحد أهم أركان خطة النمو الجديدة طويلة المدى للاتحاد الأوروبي. ويحتل برنامج أفق 2020، الذي يشمل بلدنا أيضاً، مكانة بالغة الأهمية لأنه مفتوح أمام مشاركة شركاتنا وجامعاتنا ومنظمات مجتمعنا المدني ومؤسساتنا البحثية.

وتحمل دعوة الاتفاق الأخضر الأوروبي ضمن هذا البرنامج، الذي تتمثل أولوياته الأساسية في التميّز في العلوم والريادة الصناعية والتحديات المجتمعية، إمكانات موارد بالغة الأهمية لبلدنا أيضاً، ولا سيما بميزانيتها البالغة مليار يورو. وفي هذا الإطار، فإن متابعة هذه الدعوة عن كثب وتطوير مشاريع جادة مسؤولية مهمة بالنسبة إلينا.

ولا يقتصر الاتفاق الأخضر الأوروبي على تغيّر المناخ، بل يلامس في الوقت نفسه قضايا كثيرة بأهداف مثل الصناعة من أجل اقتصاد نظيف ودائري، والمباني ذات الكفاءة في الطاقة والموارد، والزراعة من المزرعة إلى المائدة. وعندما نتناول المسألة في هذا الإطار، علينا أن نقول إن هذا البرنامج، الذي سيغيّر مسار سياسة الاتحاد الأوروبي الاقتصادية والتجارية في المرحلة الجديدة، بالغ الأهمية لتركيا، لا سيما إذا أُخذ في الحسبان أن حصة التجارة الخارجية مع أوروبا تبلغ مستوى %50.

إن متابعة التطورات في الاتحاد الأوروبي، وهو أهم شريك تجاري واستثماري لبلدنا منذ سنوات طويلة، وتحديد خرائط طريق متبادلة تنسجم مع هذه التطورات، أمر مهم لكي تخضع العلاقات مع الاتحاد لمراجعة مثمرة لصالح الطرفين.

ذلك أن التحول الذي سينفّذه الاتحاد الأوروبي في مجالات كثيرة وفي مقدمتها الطاقة والتمويل والصناعة، على مدى طويل يمتد حتى عام 2050، يحمل إمكانية التأثير المباشر في تركيا. وفي هذا الإطار لا ينبغي النظر إلى الاتفاق الأخضر الأوروبي بوصفه مسألة بيئية فحسب.

ومن أجل التكيّف مع هذا البرنامج الذي يعني بلدنا عن قرب والذي سيؤدي بنتائجه إلى نظام تجارة دولية وتقسيم عمل جديدين، فإن مواكبة التطورات التي ستحدث في إطار نظام المناخ الجديد باتت إلزامية لا لتركيا وحدها بل لجميع الدول الأخرى. ونحن نتحدث هنا عن نظام جديد يشمل ضرائب جديدة وحواجز غير جمركية في التجارة، موجّهة نحو هدفي خفض تسرب الكربون إلى أدنى مستوى وتسعير الكربون تسعيراً فعالاً في الاقتصاد كله.

وباختصار فإن التوافق مع الاتفاق الأخضر الأوروبي سيجلب معه في الواقع مكاسب جادة في الاقتصاد أيضاً. وفي هذا الإطار سيحدث تشكّل جديد في كل مرحلة من مراحل الدورة الاقتصادية، من الإنتاج إلى التوظيف ومن التجارة إلى الصادرات.

المشاركون الكرام،

وأتمنى من صميم قلبي أن تحقق المسائل التي سنستمع إلى تفاصيلها من المشاركين الكرام في هذا الاجتماع، الذي أراه بيئة تشاور ومحاسبة قيّمة من أجل المستقبل، فوائد هائلة للمكانة الاستراتيجية التي سيكتسبها بلدنا في الظرف الاجتماعي والاقتصادي الجديد.

وبصفتي معنياً بالموضوع من جانب عالم الأعمال، أودّ بإذنكم أن أقدّم تقييماً صغيراً للتطورات الراهنة في التجارة وفي اقتصاد بلدنا ولما يقع على عاتقنا كعالم أعمال في المرحلة التي تُسمّى «الوضع الطبيعي الجديد»: فكما هي الحال في الاقتصاد العالمي كله، صارت جائحة كوفيد-19، التي تسببت في أزمة جادة في الاقتصاد التركي أيضاً من جهتي العرض والطلب، أشبه بنقطة انفجار للنظام العالمي المتأزم أصلاً.

وفي حين كانت التوقعات المتعلقة بالاقتصاد العالمي، حتى قبل الجائحة، تشير إلى خطر انكماش في الإنتاج على مستوى العالم، فقد تحوّلت «الأزمة المنتظرة» مع الجائحة إلى «أزمة واقعة». ومن هذه الناحية يمكننا القول إن جائحة كوفيد-19 جعلت أزمة اقتصادية عالمية كان يُحتمل انفجارها في المديين المتوسط والطويل تقع في وقت أبكر بكثير وبصورة أشد.

وإلى جانب هذه الآثار الاقتصادية المزلزلة، وعندما نأخذ في الحسبان الآثار الاجتماعية والنفسية للجائحة أيضاً، يمكننا القول إننا نحن أيضاً، بوصفنا ممثلي عالم الأعمال التركي، تأثرنا سلباً بهذه المرحلة في الأشهر الأولى. ومع ذلك، فقد دخلنا مع عملية التطبيع التي بدأت اعتباراً من 1 يونيو على وجه الخصوص مرحلة تعافٍ سريع على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي.

لقد جلبت الجوائح العالمية التي شهدها العالم في كل قرن تقريباً معها عملية تساؤل اجتماعي واقتصادي وسياسي جديدة. ونحن الآن نعيد التساؤل عن سياسة القرن الحادي والعشرين الجديدة،

والإنتاج وأنماط السلوك الاجتماعية والثقافية وموازين الإنتاج والتوزيع. وحقيقة أن توازناً اقتصادياً واجتماعياً جديداً سيُقام في العالم بعد مرحلة الجائحة أمر لا مفر منه. وهذا يقودنا إلى دورة إنتاج وحياة تكون فيها الموارد الأساسية لعالمنا المسنّ مستدامة، وتقوم على الكفاءة وتضع التوفير في المقدمة في الوقت نفسه.

إن نظام التنافس الجاد القائم اليوم عندما يتعلق الأمر بسوق الطاقة سيجري على الماء في عالم الغد. وستكون حماية الماء في المقام الأول والتربة ومواردنا الطبيعية واستخدام حصصها في الاقتصاد بسياسات حذرة من إشكاليات عالم الغد.

لقد تركتنا مرحلة الجائحة وجهاً لوجه مع حقائق تجاهلناها من نواحٍ كثيرة. ولهذا، وكما قلت في البداية، رفعت هذه المرحلة التي فاجأتنا دون استعداد الأزمة المنتظرة إلى واقع معيش.

والآن ستبدأ مرحلة تتشكّل فيها نماذجنا الكلاسيكية من جديد. ونحن بحاجة إلى نموذج اقتصادي جديد للإنتاج والتوزيع من أجل توزيع سلاسل الإنتاج والتوريد والقيمة توزيعاً عادلاً لدى دول العالم كافة. ولهذا ينتظرنا نظام تشارك متعدد الأطراف يمكن لكل أمة تقريباً أن تسهم فيه بقيمها الاقتصادية في الناتج العالمي.

وستتغير أساليبنا في ممارسة السياسة. فالعالم يختبر في هذه المرحلة وما بعدها ديمقراطية مباشرة قائمة على القائد لكنها تقوى باستمداد قوتها من القاعدة. وستتغير تعريفاتنا للتعليم وأنظمتنا التعليمية. ويمكننا القول إن نموذجاً جديداً للتعليم والإدارة الاقتصادية بات ينتظرنا بقوة بشرية مؤهلة تُدرَّب في تخصصات متعددة وتُستخدم فيها إمكانات الوصول عن بُعد استخداماً فعالاً.

وتنتظرنا مرحلة نتساءل فيها عن التوازن المفاهيمي بين العلم والدين ونعيد فيها رسم حدود الوضعية. والعالم يدرك أنه لا يستطيع السير على خط وضعي متشدد ولا على خط منغلق تماماً على الدنيا في مثلث العلم والدين والقيم الأخلاقية.

ويلزم إعادة تصميم العلاقة التي أقمناها مع البيئة والطبيعة، ويلزم أن نمضي إلى عقد جديد للرحمة والتوافق بيننا وبين الطبيعة. وقد رأينا في هذه المرحلة مرة أخرى أن الطبيعة من أثمن الأمانات التي أُودعت لدينا.

وستتغير عناصر قوتنا الوطنية التقليدية. فنحن نرى كيف تنوّعت عناصر القوة الوطنية التي كنا نعرّفها ذات يوم بالأرض ورأس المال والتفوق العسكري، وكيف دخلت مفاهيم جديدة في طيف التهديدات الوطنية.

ويمكننا أن نقول بارتياح إننا سندخل في المرحلة المقبلة عهداً تشعر فيه جميع شركاتنا، دون تفريق بين المنشآت الكبيرة أو الصغيرة، بحاجة التحول الرقمي وأثره على نحو أوضح.

ويمكننا أن نتوقع أن تشهد تحولاً جاداً أيضاً عناصر بالغة الأهمية مثل تنويع سلاسل التوريد وجعل البحث عن أسواق جديدة أكثر مرونة وتطوير تقنيات الإنتاج والتسويق، لا في مجال الرقمنة وحده. وستتركنا عملية التغيير هذه كلها وجهاً لوجه مع نظام عمل ومجموعة تشريعات جديدة في الحياة الاقتصادية.

إننا نمر بمرحلة اختبرنا فيها أن الإنتاج الوطني ليس خياراً سياسياً فحسب بل ضرورة. وفي هذه المرحلة التي يتعين فيها إنتاج مدخلات قطاعاتنا الاستراتيجية بالإنتاج الوطني، يكتسب تصوّر الإنتاج عالي القيمة المضافة والإنتاج في منتجات التقنية العالية أهمية حيوية، ولا سيما من أجل حماية ميزان الحساب الجاري.

ونحن نتحدث عن مرحلة سيُتحدث فيها كثيراً عن مفهومي الكفاءة وسلامة الغذاء، أي الأمن الحيوي، في قطاع الزراعة والثروة الحيوانية والغذاء. ونحن في مسياد نؤكد بهذا الوعي باستمرار ضرورة أن تنتج قطاعاتنا الأساسية والاستراتيجية، وفي مقدمتها قطاعا الزراعة والغذاء، وفق أسس محلية ووطنية. وقد أقمنا في مطلع الأسبوع حفل إطلاق نموذج أعمالنا للمدن الزراعية الذكية بتشريف وزير الزراعة والغابات. وقد انطلقنا في إطار هذا النموذج من فكرة أن السكان المحشورين في المدن الكبرى والذين ينخفض مستوى حياتهم الإنسانية يوماً بعد يوم ينبغي توجيههم نحو الريف، على أن تُحوَّل الحياة الريفية في الوقت نفسه إلى فضاء حياة مُرضٍ من حيث راحة المدينة ومستوى الدخل.

لقد طُرحت المدن الزراعية الذكية بوصفها نموذج حياة وإنتاج أكثر منها مشروعاً. وهي تتقاطع من نواحٍ كثيرة مع الموضوعات التي ستُطرح هنا اليوم. وهي نموذج يشير إلى جزء مهم من عناوين برنامج أفق 2020 سواء في موضوع الاتفاق الأخضر أو في موضوعي الاقتصاد الدائري النظيف والطاقة.

ويؤكد النموذج الذي أنشأناه موضوع تحويل الحياة الريفية والتنوع الزراعي إلى مناطق إنتاج وحياة أكثر إنتاجية بكثير بفهم صديق للبيئة وبإمكانات التكنولوجيا، وإزالة الاختلالات السكانية والاقتصادية بين المدن بهذه الطريقة.

وبالوعي نفسه، ننتج نحن في مسياد ضمن نطاق لجنة اقتصادات المدن والمدن الذكية مشاريع لإنشاء علامات للمدن ولتحويل التنوع القطاعي الخاص بكل مدينة إلى ميزة، انطلاقاً من حقيقة أن المدن هي التي ستتنافس في عالم المستقبل. ويثير فخرنا أن نرى نتائج الإصرار الذي أبديناه في جعل مفهوم المدينة الذكية سياسة دولة.

وبالطريقة نفسها نعيش فرحة أننا بدأنا قبل عامين أعمالنا في مجالي اقتصاد الطهي والسياحة الغذائية، مستهدفين تقديم جودة الغذاء وسلامته وتنوّع الغذاء بوصفه قيمة ثقافية، بمعنى متابعة كل المراحل «من المزرعة إلى المائدة». ويسرّنا أن تتحول هذه المفاهيم اليوم إلى سياسات في إطار الوعي الذي أطلقناه.

واليوم، وقد صارت الدبلوماسية لغة خطاب اجتماعي تتجاوز بكثير كونها عنصراً سياسياً فحسب، فإن كون القيمة الثقافية والتنوع سبباً في تعانق المجتمعات وتقاربها قد دفعنا، ضمن عملية التجديد التي أطلقناها في بنيتنا، إلى استخدام مفهوم الدبلوماسية في مجالات السياحة وفنون المطبخ والتعليم والتجارة والاستثمار. وفي النقطة التي بلغناها اليوم، من دواعي السرور أن يُذكر مصطلح الدبلوماسية الغذائية.

ونحن كمنظمات مجتمع مدني في نقطة بالغة الحساسية في رفع الوعي الاجتماعي وفي جمع سياسات الدولة بالقاعدة، ونحن ندرك ذلك. وفي الظرف الاجتماعي والاقتصادي الجديد ستعمل منظمات المجتمع المدني على وجه الخصوص كجسر تواصل وتفاعل بين الدولة والمجتمع.

ومسياد، بانتشاره الميداني الواسع في الداخل والخارج، منصة رأسمالية تملك عمقاً ميدانياً نادر النظير في العالم. ونحن نعيش بهذا الوعي فخراً مستحقاً بكوننا أول منظمة مجتمع مدني تمنح آلية إدارتها بنية ديناميكية وتجعلها جاهزة لشروط المرحلة الجديدة وأولوياتها. فقد رصد مسياد قبل بدء مرحلة الجائحة بوقت طويل تحولات النماذج في العالم وانعكاساتها على بلدنا، فجدّد بنيته وجعل إدارة عملياته جاهزة لذلك. ومسياد، بنظام عمل اللجان القائم على المشاريع والموجّه نحو الإنتاج وببنية المجلس،

يعالج البيانات الدقيقة التي يحصل عليها من ميدانه ويحوّلها إلى مشاريع في لجانه، ويضمن دون كسر الدورة انتشار المشاريع في البلد كله وفي العالم ضمن انتشاره الميداني.

ونحن في مسياد نعبّر في كل مناسبة عن استعدادنا لوضع أيدينا تحت الحجر من أجل أن يقوى بلدنا في الساحة العالمية. وسنُظهر معاً إمكانات تركيا.

المشاركون الكرام،

وإذ أنهي كلمتي هنا، أحييكم جميعاً بكل احترام وأشكر كل من ساهم في هذا الاجتماع الجميل.

Abdurrahman Kaan

رئيس مسياد العام