أصحاب المعالي والسعادة،

سعادة السفراء والقناصل الكرام،

الضيوف الكرام،

سيداتي وسادتي،

إنه لشرف كبير لنا في مسياد أن نستضيفكم هذا المساء على مائدة إفطارنا. فرمضان ليس زمناً للتأمل الروحي فحسب، بل هو أيضاً موسم للحوار والتعاطف والإنسانية المشتركة. وهو يذكّرنا بأن وراء السياسة والقوة بشراً — ووراء التنافس ضميراً.

ولذلك أود أن أرحّب بكم مرة أخرى بهذه المشاعر.

واسمحوا لي بدايةً أن أعرّف بـ MUSIAD لمن لا يملكون معرفة كافية عن منظمتنا.

MUSIAD جمعية غير حكومية لرجال الأعمال تضم نحو 15,000 عضو وأكثر من 60,000 شركة تمثّل ما يزيد على 30% من الناتج المحلي الإجمالي لتركيا وتشغّل أكثر من 3 ملايين موظف، وتعمل بنشاط في 78 مكتباً داخل تركيا.

كما أن MUSIAD مؤسسة دولية، وهي موجودة في 84 دولة مختلفة عبر 99 مكتباً حول العالم.

ولذلك فإننا منتشرون على امتداد المشهد العالمي، ونتابع بنشاط التطورات الاقتصادية والسياسية في العالم.

هذا هو التعريف بـ MUSIAD.

وكما تعلمون جميعاً، فإن أجندة العالم في الأيام القليلة الماضية ساخنة للغاية، وأود أن أغتنم هذه الفرصة لأقول بضع كلمات في هذا الشأن.

يمر العالم بمرحلة تحول حرجة.

فموازين القوى تتبدل، والعلاقات التجارية الدولية يُعاد تشكيلها، واصطفافات جديدة تبرز على امتداد المشهد العالمي.

ويمكننا وصف هذه اللحظة بأنها عتبة تلاشى فيها النظام العالمي القديم دون أن يتشكل النظام الجديد تشكلاً كاملاً بعد.

وباستخدام الإطار المفاهيمي الذي كثيراً ما يُعبَّر عنه بـ “نظام – فوضى – إعادة نظام”، يعيش العالم حالياً مرحلة الفوضى — وهي مرحلة تتسم بعدم اليقين وبآلام مخاض نظام عالمي ناشئ. وفي قلب هذا التحول تماماً تقع منطقتنا — الشرق الأوسط.

فبعد ما سُمّي بالربيع العربي الذي زعزع استقرار جزء كبير من المنطقة، شهدنا الحرب الروسية الأوكرانية، والتنافس الاستراتيجي المتنامي على موارد الطاقة في شرق المتوسط، والصراع على ممرات التجارة التي تربط الشرق بالغرب، ومستقبل بنية الدولة في سوريا الذي لم يُحسم بعد، والأهم من ذلك التصعيد بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.

وكل ذلك يشير إلى أن كثيراً من المتغيرات الرئيسية التي تصوغ النظام العالمي الجديد تتلاقى وتتقاطع تحديداً داخل جغرافيتنا.

ومن ثم فمن الواضح أن هذا النظام الجديد لا يمكن تعريفه بمعادلة واحدة. بل هو منظومة معقدة من معادلات مترابطة يؤثر بعضها في بعض.

وبطبيعة الحال، لا يوجد حل يُرضي الجميع بالقدر نفسه أو يمنح كل فاعل إقليمي ما يبتغيه بالضبط.

وتبقى المنطقة، كما كانت منذ زمن طويل، ساحة كثيفة من المصالح المتنافسة.

ولهذا السبب لا يمكن العثور على الجواب في المقاربات المكررة سابقاً التي أخفقت باستمرار في حل تحدياتنا في هذه المنطقة.

وبدلاً من ذلك، علينا اليوم أن ننظر إلى مقاربات قادرة على كسر الأنماط القديمة وعلى تحدي التفكير التقليدي.

فعلى مدى عقود اتسمت المنطقة بتشرذم دفعت إليه اختلافاتنا.

والنتيجة؟ خسارة!

لقد فقدنا القوة، وفقدنا الوحدة، وفقدنا السلطة.

غير أن الطريق إلى مستقبل مستدام لا يكمن في سياسات تُبرز الانقسام، بل في استراتيجيات تبني الوحدة على أرضيتنا المشتركة.

وعلينا أن نضع جانباً المظالم النابعة من اختلافاتنا، وأن نعتزّ بدلاً من ذلك بالقواسم المشتركة التي تجمعنا.

فنحن نتشارك التاريخ والثقافة والذاكرة الجمعية والمشقة والأمل.

وإذا أردنا أن نكون أكثر من مراقبين سلبيين في تكوّن النظام العالمي الجديد — وإذا كنا نهدف إلى أن نكون مساهمين فاعلين في صوغ أسسه — فعلينا أن نفكر معاً، وأن نعمل معاً، وأن نبني مستقبلنا المشترك معاً.

لا يمكننا حل قضايا منطقتنا بحلول مستوردة. ليس مرة أخرى! فقد جرّبنا هذا الطريق مراراً في الماضي.

ومع أن العلاجات المفروضة من الخارج قد تُرضي البعض على المدى القصير، فإنها تدفع المنطقة في نهاية المطاف إلى طرق مسدودة أعمق؛ فما نستورده مما يُسمى حلولاً يتحول إلى أغلال في أقدامنا.

وعند هذه النقطة، علينا أن نركز لا على العناصر التي تفرّقنا، بل على ثروة القيم التي توحّدنا. فكل بلد في المنطقة يملك في الحقيقة أرضية مشتركة واسعة.

الإسلام مثالاً. فالغالبية العظمى من شعوب هذه المنطقة تنتمي إلى الدين نفسه، وهذا عنصر توحيدي قوي.

غير أنه للأسف حتى مبدأ توحيدي بهذه القوة قد حُوّل أحياناً إلى مصدر للانقسام عبر التوترات الطائفية واختلاف تفسيرات الدين.

وهذا يعلّمنا ما يلي: أي قيمة توحيدية نؤكد عليها يجب ألا تتحول إلى إقصاء لمن لا يشاركوننا إياها.

بعبارة أخرى، نعم — ينبغي أن نعتزّ بانتمائنا إلى الإسلام، وأن نتعامل معه بوصفه أساساً للوحدة بين شعوبنا. لكن يجب ألا نحوّل هذه الوحدة إلى تهديد أو إلى أداة هيمنة على من لا يقفون على الأرضية نفسها.

ولهذا السبب لم تتمكن بعض الحركات الإسلامية السياسية في التاريخ القريب للمنطقة من التطور إلى ما هو أبعد من تجارب مؤقتة. فقد ظلت رومانسية وصدامية بطبيعتها، ومن ثم أخفقت في تمثيل الروح الجامعة والمحتضنة للعقيدة الإسلامية.

وما يجب أن نركز عليه حقاً هو الصعود العالمي للاإيمان والاتجاه المتنامي نحو الانفصال عن الدين.

والبشرية اليوم بحاجة إلى تذكّر العقيدة المشتركة للتقاليد الإبراهيمية؛ الإيمان بإله واحد.

ولذلك علينا أن نوسّع منصتنا الجامعة وأن نلتقي على أساس الإيمان بالله. وأعتقد أن هذا المنظور ليس ضرورياً لمنطقتنا وحدها، بل للعالم بأسره اليوم.

اليوم توجد في العالم حاجة أقوى من التنافس: التعاون. ولا ينبغي أن نسمح ببناء أمن أمة على انعدام أمن جارتها أو، على النحو نفسه، لا يمكن تشييد ازدهار مجتمع على فقر مجتمع آخر. وإن لم نغيّر تفكيرنا فإني أؤكد لكم أنه

‘سيأتي يوم نرى فيه متطرفين راديكاليين أكثر بكثير يخرجون من أوروبا بسبب غياب اتخاذ القرار، ومحاولة الظهور بمظهر اللائق سياسياً، أو افتراض أنهم يعرفون الشرق الأوسط ويعرفون المنطقة أفضل منا بكثير. أعتذر، لكن هذا غير صحيح’.

تركيا واحدة من الخيارات القليلة في المنطقة التي تملك العمق التاريخي والقدرة المؤسسية والرؤية الاستراتيجية لمنع دفع الشرق الأوسط قسراً إلى حلول مستوردة أو مفروضة. وبدلاً من قبول أطر مصممة خارجياً، تملك تركيا الخبرة والشرعية والترابط الإقليمي لتوليد حلول مستدامة وجامعة متجذرة في وقائع المنطقة نفسها. غير أن هذا يحتاج إلى دعم!

في الحقبة الجديدة، الهشاشة تستدعي الضغط.

علينا أن نُقرّ بأن عدم الاستقرار المطوّل في الشرق الأوسط غير مستدام — لا للفاعلين الإقليميين ولا للقوى العالمية. فالأسواق لا تعمل في ظل عدم يقين دائم. ورأس المال يتجنب ما لا يمكن التنبؤ به. والمستثمرون يحتاجون إلى أطر قائمة على القواعد، لا إلى سيناريوهات تصعيد مفتوحة.

والتشرذم الاقتصادي جارٍ بالفعل. فالتكتلات التجارية تزداد انغلاقاً. والمنظومات التكنولوجية تنفصل. والأنظمة المالية تُستخدم سلاحاً بصورة متزايدة.

وإذا تصاعدت التوترات الإقليمية إلى مواجهة أوسع، فلن تُقاس الكلفة بمقاييس أمنية فحسب، بل بعقود ضائعة من التنمية.

ولذلك علينا أن نعمل معاً لتفادي كل ما يجري.

شكراً لكم