أدلى Abdurrahman Kaan، رئيس جمعية رجال الصناعة والأعمال المستقلين (مسياد) العام، بتقييماته لوكالة الأناضول حول آثار فترة الجائحة في الاقتصاد وعالم الأعمال، والأعمال التي نفّذها مسياد في هذه الفترة، والمحور الذي انزاحت إليه الحروب التجارية بعد الوباء، ومسار التعافي بعد فيروس كورونا.
هل يمكنكم تقييم فترة الجائحة بشكل عام؟
لا ينبغي تناول الموضوع من زاوية الجائحة وحدها. فقد شكّلت الجائحة ما يشبه نقطة الانفجار لنظام عالمي كان يعاني الاختناق أصلاً. وتعيش دول العالم كافة في الحقيقة مرحلة تُختبر فيها إدارة الأزمات وأساليب إدارة المخاطر التقليدية ومفاهيم السياسة. لم تكن الأزمة في جوهرها اقتصادية؛ لكن بالنظر إلى آثارها يمكن القول إننا على أعتاب مرحلة ستؤثر فينا تأثيراً عميقاً وتعيد تشكيل البنية الاقتصادية والبنية الاجتماعية والثقافية معاً على طيف واسع يمتد من نماذج ممارستنا للأعمال إلى منظومة قيمنا.
عند فحصنا للبيانات الاقتصادية العالمية قبل الجائحة (وقد شاركناها بوصفنا مسياد مع الرأي العام في صورة تقرير)، كانت تقديرات النمو الصادرة عن OECD وWB قبل تفشي COVID-19 تشير إلى انكماش في الإنتاج على مستوى العالم. أما التوقعات التي جرت مراجعتها في شهر نوفمبر فقد حُسبت بمحاكاة آثار الحروب التجارية. ولم تكن الحروب التجارية وحدها، بل أيضاً سياسة أوبك النفطية، وأثر المخاطر الناجمة عن الغموض السياسي في سوريا والشرق الأوسط في الأسواق، وتراجع الشهية الاستثمارية العالمية، تدفع الدول أصلاً نحو سياسة نقدية توسعية. وانسجاماً مع توقعات النمو العالمي الراكدة، جرت مراجعة معظم تقديرات الأسعار لعام 2019، ولا سيما الطاقة (ناقص 15 بالمئة). وفي حين كان يُتوقع استمرار انخفاض أسعار الطاقة والمعادن في عام 2020، كان يُتوقع أن تكتسب أسعار السلع الزراعية استقراراً جزئياً.
في التصريحات التي أدلينا بها في تلك الفترة، شدّدنا على أنّ أزمة سلع حادة تنتظر العالم في عام 2020 وما بعده. ولم نتوقف عند السلع فحسب، بل أكّدنا مراراً أننا في حلقة مفرغة يُحاوَل فيها حلّ المشكلات الاقتصادية الحقيقية بأدوات وسياسات مالية، وأنّ هذا الوضع سيؤدي، ولا سيما مع التضخم في أسواق المشتقات، إلى فقدان النقود قيمتها وتعريفها، بل وسيبلغ بالنظام النقدي نقطة الانهيار. لأنه إذا لزم إجراء تحليلات استراتيجية في موضوع ما فينبغي الانتباه إلى عنصرين: 1. عليك أن تقرأ التاريخ والمسار قراءة جيدة. 2. عليك أن تقرأ الأرقام والبيانات الجزئية الواردة من الميدان قراءة جيدة. وبفضل اتساع حضور مسياد الميداني، رأينا مجموعات البيانات التي كانت تصلنا من الداخل ومن العالم في الفترة السابقة للجائحة بوصفها وقع أقدام أزمة ونقطة بداية تحوّل، وشاركنا ذلك في مناسبات شتى.
وبصرف النظر عن انزياح التجارة نحو الشرق قبل الجائحة، فإن الانخفاضات الواضحة الملحوظة منذ عام 2017 في تجارة السلع العالمية وفي حجم الخدمات اللوجستية على مستوى الموانئ والنقل الجوي كانت تقول لنا أصلاً إن الاقتصاد العالمي بحاجة إلى نموذج جديد ودافع جديد كي ينتعش من جديد. غير أن هناك مسألة حرجة هنا لها أهميتها من حيث المسار اللاحق لآثار الجائحة: قبل الأزمة كان مسار النمو القائم على الإنتاج في أكبر 20 اقتصاداً نامياً صاعداً، في حين كان هذا المسار هابطاً لدى الـ20 المتقدمة. وبينما كان الاقتصاد العالمي ينزاح نحو الشرق، كانت قواعد الإنتاج تغيّر أصحابها وكان رأس المال يجد مجالات إنتاج جديدة. وفي عالم تستعيد فيه الاقتصادات الوطنية قوتها، كانت الطاقات الإنتاجية للدول المتقدمة الخاضعة لهيمنة الشركات الكبرى تتراجع، بينما كان مجال الاستثمار والإنتاج الجديد في العالم هو الكتل التي تشكّلها الـ20 النامية. والآن، مع الحزم المالية الضخمة التي أعلنتها الدول المتقدمة في مرحلة التعافي، فإن ذلك يشير أيضاً إلى انخفاض أكثر جذرية بكثير في معدلات النمو لدى هذه الدول في المرحلة المقبلة، وإلى توجّهها في المقابل نحو سياسات مالية أشد تشدداً.
لذلك قد لا يكون صحيحاً في هذه المرحلة تحديد تاريخ قريب للتطبيع الاقتصادي عالمياً أو للخروج إلى برّ الأمان. فالظاهر أن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي كليهما يراجعان توقعاتهما بشأن الركود في اتجاه محاكاة السيناريوهات السيئة. وإذا كان الحديث يدور عن انكماش في نطاق %10-12، فهذا يعني أنه لن يكون مفاجئاً أن يستمر أثر الدومينو طويلاً في سلاسل التجارة والاستثمار المترابطة بين دول العالم كافة. فالنقطة الجوهرية هنا أن مسار الجائحة يتغير من بلد إلى آخر، أي أن «مسار الجائحة المتغير من بلد إلى آخر» يقتضي انتظار اكتمال السيناريو لدى جميع الدول. وعلى الرغم من أن المرض قد جرت السيطرة عليه في بضع دول إما بالمناعة المجتمعية وإما بعد التدابير المتخذة، فإن استمرار المسار الجذري في دول أخرى يحمل في طياته خطرين مهمين للصناعي أو لمن يمارس التجارة: 1. التعرّض لمخاطر البلد. 2. التعرّض لمخاطر القطاع. فالشركات العاملة أساساً في التجارة الخارجية معرّضة لمخاطر البلد، وينبغي متابعة مسارات التطبيع في البلدان التي تصدّر إليها. فعوامل مثل تراجع الدخل في البلدان التي نتاجر معها، وعمق الخسائر في القطاعات، والتغيرات في سياسة الحجر الصحي، تعني أن شركاتنا ستتعرض لمخاطر البلد. ومن ثمّ يلزم إيجاد شركاء تجاريين جدد وتنويع سلاسل التوريد. أما شركات الخدمات والسياحة والنقل والخدمات اللوجستية والصناعة التحويلية، المتأثرة مباشرة بنطاق الحجر الصحي، فما زالت تحمل مخاطر القطاع. وهنا سيكون تغيير نماذج الأعمال أمراً وارداً.
كما لا ينبغي تناول الجائحة في نطاق العناصر الاقتصادية وحدها. نعم، لقد فوجئ الاقتصاد العالمي بأزمة كهذه دون أي استعداد. لكننا هنا لسنا أمام نقطة فاصلة لتغيّر البنية الاقتصادية فحسب؛ فنحن على أعتاب تحوّل تكنولوجي سيؤثر تأثيراً هائلاً في حياتنا الاجتماعية. ويمكن القول إننا نمرّ بمحاكاة نختبر فيها كفاءاتنا وعاداتنا في مجالات كثيرة، من العمل عن بُعد إلى التعليم عن بُعد.
ينبغي أن تدفعنا الجائحة إلى التساؤل عن كفاءة ثلاث نقاط أساسية: 1. كفاءة رأس المال ومخزون رأس المال. انظروا، إن قوة الدولة المنقذة في أوقات الأزمات هي مخزونها الرأسمالي. غير أن دولاً كثيرة رأت في هذه المرحلة كم هو هشّ مخزونها الرأسمالي. وقد أدركت دول كثيرة، ونحن منها، أن تراكم رأس المال متكتّل في بضع دول وعلى رأسها الصين، وأن مخزون رأس المال الوطني في بلدانها غير كافٍ وأنه تشكّل بعيداً عن الكفاءة. 2. كفاءة الحوافز والدعم. أي أنني أتحدث عن اختبار مدى كفاءة تحوّل الدعم إلى استثمار. فأنظمة الحوافز والدعم تجعل دورة رأس المال كفؤة ما دامت في نهاية المطاف تخدم الاستثمار وتراكم رأس المال. لكن الجائحة أظهرت لنا أننا نعيش داخل نظام يشغل نفسه بمفارقة خطيرة بين رأس المال والثروة. 3. سياساتنا في ريادة الأعمال وكفاءة رائد الأعمال. لقد وفّرت فترة الجائحة في الواقع لشركات العالم كافة بيئة اختبار متناسبة مع حجمها؛ ويمكن أن نعدّها نوعاً من اختبار المتانة. وعند تشجيع ريادة الأعمال علينا أن نفكر في الآتي: هل من الضروري أن يكون الجميع رواد أعمال أو منتجين؟ لا بد أن يكون لذلك مسلّمات وحدود. وإلا فإن الشركات غير المتينة تتحول في أوقات أزمات كهذه إلى أعباء على كاهل الدول. وقد رأينا ذلك أيضاً خلال الجائحة.
وأخيراً، لم تفتح لنا الجائحة باباً لتغيير نماذجنا الاقتصادية فحسب؛ بل ينبغي أن تُعدّ كذلك آلية تنبيه جادّة لإعادة النظر في صلتنا بمنظومة قيمنا في حياتنا الاجتماعية. فنحن نمرّ بمرحلة نسمع فيها وقع أقدام أساليب ممارسة السياسة، وحقيقة أن عنصر الثقة بين الأمم غير موجود فعلياً، وأن أشكال الحكم القائمة على الزعيم لا يمكن أن تصمد إلا بالدعم الذي تجده من القاعدة، وبطبيعة الحال رأسمالية الدولة والعودة إلى الاقتصادات الوطنية. وخلاصة القول إننا ما دمنا نتحدث عن نقطة فاصلة، فمن الواضح أن مفاهيم قديمة كثيرة لا بد أن تذهب إلى سلة المهملات. والأساس أن نقيّم هذه المرحلة بمفاهيم جديدة ومجموعات نماذج جديدة. أما النتيجة التي سنصل إليها بـBretoon Woods جديد أو بالبنية الاقتصادية المستقطبة ذاتها من جديد، فقد تتركنا وجهاً لوجه أمام إفلاس كامل لنظام عالمي لن يعود قادراً على حمل هذا العبء في جوائح جديدة يُرجَّح تكرارها.
كيف تقيّمون الدعم الذي قدّمته الحكومة للقطاعات خلال فترة الجائحة وفترة الوضع الطبيعي الجديد؟
يمكننا القول إن تركيا أظهرت بالتأكيد إدارة أزمات جيدة جداً خلال فترة الجائحة. فمصدر الأزمة هو المرض نفسه، وإلى أن يزول المرض تماماً سيتحقق التطبيع في الأزمة تدريجياً، وعلينا أن نأخذ ذلك بوصفه معطى واضحاً؛ أي المضي في التحرك بحذر. أما الدول ذات الوضع المالي الأقوى بكثير فقد أدارت المرحلة بحزم أوسع، غير أن اتساع انتشار الوباء في هذه الدول يبتلع هذه المرة الدعم الذي قدّمته لنظامها كالثقب الأسود، وأمريكا مثال على ذلك. ولأن حجم الحزمة وحجم الوباء سارا بالوتيرة نفسها، جاءت الخسائر المالية في الدول المتقدمة أيضاً عند المستوى ذاته تقريباً. وبالطبع سيكون الفارق في حجم دعمها عاملاً مهماً في زيادة سرعة خروجها من الأزمة، لكنها ستواجه هذه المرة صعوبات في المرحلة المقبلة بسبب الانكماش القطاعي والسياسات المالية المتشددة التي تنتظرها. وباختصار، من الواضح أنه كلما زاد ما تنفقه من أموال وما تخصصه من موارد للوباء قياساً إلى دخلها القومي، اتجهت هذه الدول في المرحلة المقبلة إلى انضباط مالي أشد. وبذلك فإن الانكماش في الدول التي نتاجر معها والأوضاع المالية لشركاتها ستؤثر مباشرة في تجارتنا وفي مسار تطبيعنا. أما تركيا فقد أدارت المرحلة بالسيطرة على الوباء وتقصير المدة بخسائر مالية أقل (بتقليل حجم الوباء وسرعته). لقد سيطرنا على الوباء في وقت قصير وبدأنا مسار التطبيع مبكراً، وإلا لكان هدر مواردنا قد بدأ؛ وتركيا لا تملك ترف هدر الموارد. وبالسيطرة على الوباء في وقت قصير عبر منظومتها الصحية والتدابير، حالت تركيا أيضاً دون خسائر مالية محتملة. وللأسف رأينا في هذه المرحلة أن معايير مثل الديمقراطية المزعومة وحقوق الإنسان واحترام الحق في الحياة في الدول المتقدمة بقيت مجرد خطاب بسبب هشاشة أنظمتها الصحية وأنظمة الضمان الاجتماعي فيها؛ أي أن الدول المتقدمة دفعت في هذه المرحلة ثمناً باهظاً جداً للاحتكار والتوزيع غير العادل في أنظمة ضمانها الاجتماعي. أما نحن فالحمد لله أن الاستثمارات الصحية التي أنجزناها سابقاً، والتي كانت موضع تساؤل كبير في حينها، وكفاية منظومة ضماننا الاجتماعي أبقتنا واقفين بثبات في هذه المرحلة؛ بل إننا، مع المستشفيات الميدانية ومستشفيات الجائحة التي أُنشئت، في شيء من الارتياح بفضل الموارد المالية التي سيوفّرها لنا تصدير الخدمات الصحية والسياحة الصحية.
أعلنت الحكومة حزم الدعم تدريجياً ومن دون التخلي عن التدابير؛ أي أنها لم تُغرق السوق دفعة واحدة. وبتلقّي التغذية الراجعة من الميدان أدارت هذه المرحلة على ثلاثة أبعاد مختلفة: 1. على بُعد الأسر، 2. على بُعد حماية شريحة العاملين، 3. على بُعد حماية الاقتصاد الحقيقي قطاعياً على طيف واسع يمتد من الشركات الصغيرة والمتوسطة إلى الصناعي، أي شريحة المنتجين.
وفي أثناء إبقاء القطاع الحقيقي على قدميه، اتُّخذت كذلك خطوات عبر الهيئات التنظيمية والبنك المركزي على وجه الخصوص للحيلولة دون التقلبات في الأسواق المالية وتقليل التآكل النقدي إلى أدنى حد. وقد طُبِّقت السياسة النقدية التوسعية في بلدنا بطبيعة الحال كما في العالم أجمع. غير أنني أودّ أن أشدّد على أنه وإن كان تسارع الإصدار النقدي هنا يبدو مشكلة ثانية يمكن تجاهلها في أثناء الأزمة، فإن هذا التسارع ينبغي خفضه وسحب النقد الزائد من السوق تدريجياً في استمرار التطبيع الجديد.
كما يمكنني القول إن خطوات مثل التنظيمات الصادرة بالقانون الشامل، ولا سيما التنظيمات الميسِّرة في مجال فتح أماكن العمل وتشغيلها، والآثار المريحة التي أحدثها دعم صندوق ضمان الائتمان (KGF) لدى شركاتنا التي واجهت صعوبات في هذه المرحلة، وتأجيل الضرائب وتخفيضها، قد وفّرت إدارة أزمات فعّالة للغاية من حيث توقيتها وتنسيقها وبنيتها المصمَّمة لتلبية الحاجة مباشرة.
أما السياسات المشجِّعة للإنتاج المحلي والوطني وقرارات حظر الاستيراد التي فُرضت على مجموعات منتجات كثيرة في هذه المرحلة، فقد دفعتنا إلى اختبار قدرتنا وطاقتنا الإنتاجية الوطنية أيضاً. وبهذا المعنى يمكن الحديث عن عالم أعمال اكتسب الجرأة. كما أن الدعم المباشر الموجَّه للتصدير والأعمال الاستراتيجية التي أُطلقت لتنويع سلاسل التوريد تهيّئ لنا أرضية واعدة فيما يخص مرحلة ما بعد كورونا.
ما نوع الدعم الذي قدّمتموه بوصفكم مسياد لأعضائكم خلال فترة الجائحة؟
بوصفنا مسياد، فعّلنا مركز إدارة الأزمات والتنسيق لدينا في 16 مارس مباشرةً بعد الإعلان عن أول حالة. فمسياد، بعدد أعضائه الذي يتجاوز 11 ألفاً وبتنوّع أعضائه الواسع، هو أوسع منظمة رأسمالية انتشاراً في الميدان، وهو يدير طيفاً واسعاً يمتد من ضخامة الحجم إلى الاتساع القطاعي وبالطبع إلى شبكته التنظيمية الواسعة في الخارج. ولذلك اضطلعنا بدور فاعل في الميدان كي يخرج أعضاؤنا أولاً ثم شعبنا كله من الأزمة بأقل ضرر. وقد صمّمنا مركز الأزمات الذي أنشأناه في أربعة عناوين: 1. الوحدة التي تؤمّن تدفق البيانات من الميدان؛ وهنا جمعنا فوراً المعلومات الواردة من أعضائنا ومن فروعنا وممثلياتنا في الداخل والخارج ورفعناها في تقارير، وأبلغنا مؤسسات الدولة وهيئاتها بانتظام بمسار الجائحة والاحتياجات والمطالب وأوجه النقص. وبهذا المعنى يمكنني القول إننا أدّينا دور الوسيط لضمان تطبيق التدابير المتخذة تطبيقاً فاعلاً في الميدان ولدعم انتشار الدعم والحوافز ميدانياً. وفي هذه المرحلة تواصلنا مع أعضائنا واحداً واحداً أياً كان حجمهم، وجمعنا احتياجاتهم ومطالبهم باستمرار ونقلناها إلى الجهات المعنية؛ أي أن مسياد وضع مرة أخرى في هذه المرحلة اتساعه الميداني وعمقه في خدمة دولته وأمته. وكوحدة ثانية شغّلنا الإدارة البيروقراطية، فكنا على تواصل وتنسيق دائمين مع الوزارات والمؤسسات والهيئات المعنية سعياً إلى الحيلولة دون تسرّب البيانات أو تكرار المعاملات، وأبقينا التواصل في هذا الشأن حياً وفاعلاً باستمرار مع شركائنا مثل TİM وDEİK وTOBB. وكوحدة ثالثة شغّلنا الخط التشغيلي؛ ففي هذه المرحلة التي تزامنت مع رمضان وصلنا إلى المحتاجين باتساعنا الميداني. وفي إطار حملة «نحن نكفي بعضنا يا تركيا» التي أطلقها فخامة رئيسنا، وقفنا إلى جانب أمتنا بدعم بلغ مجموعه 125,000,000 ليرة تركية مع أعضائنا العاشقين لتركيا. وإضافة إلى ذلك دعونا أعضاءنا إلى التبرع لتطبيق صندوق القرض الحسن في مسياد، وبذلك وفّرنا موارد مالية لأعضائنا الذين وقعوا في ضائقة.
كما أعددنا 98 ألف طرد غذائي في تركيا كلها وفي البلدان التي توجد فيها فروعنا، وأوصلناها إلى المحتاجين عبر مجموعات Vefa للدعم في الداخل وعبر الهلال الأحمر التركي في الخارج.
وفي هذه المرحلة قدّمنا أيضاً دعماً مكثفاً لحملة دفتر الذمم (البيع بالدين) التي يطبّقها مسياد منذ فترات سابقة. فقد اشترى أعضاؤنا 425 دفتر ذمم من التجار في عموم تركيا، ممّا أتاح سداد ديون مواطنينا المدينين البالغة نحو 2 مليون و175 ألف ليرة.
ولم ننسَ كذلك العاملين في القطاع الصحي الذين بذلوا أكبر جهد وناضلوا ببطولة في هذه المرحلة؛ إذ وزّعنا الكمامات والملابس الواقية ومنتجات التعقيم وكثيراً من المنتجات الصحية على المؤسسات الصحية والمؤسسات العامة ووضعناها في خدمة مواطنينا.
كما اضطلعت علامتانا مسياد المحلي ومسياد العالمي بدور فاعل في تحديد الاحتياجات وفي تذليل الصعوبات التي واجهها مواطنونا في الخارج وإحضارهم إلى تركيا.
وكوحدة رابعة شغّلنا قسم التقارير الاستراتيجية والبحوث. وفي هذه المرحلة، ومن خلال مركز إدارة أزمة كورونا الذي أنشأناه في المركز العام، نفّذنا أعمالاً شملت إدارة الأزمة والتخطيط لمراحل ما بعد كورونا وتقديم دعم مباشر لمنشآتنا في موضوعات إدارة الأزمات. وعقدنا نحو 232 اجتماع مؤتمر عبر الإنترنت بأسلوب الندوة الإلكترونية مع أسماء رائدة في السياسة وعالم الأعمال والمنظمات غير الحكومية والمجتمع، وفي مقدمتهم وزيرة التجارة Ruhsar Pekcan ووزير الخزانة والمالية Berat Albayrak ووزيرة الأسرة والسياسات الاجتماعية Zehra Zümrüt Selçuk ونائب رئيس حزب العدالة والتنمية Numan Kurtulmuş. وجمعنا أعضاءنا بخبراء الموضوع، ولم نوفّر الدعم التقني فحسب بل الدعم المعنوي أيضاً. وباتصالنا بأعضائنا واحداً واحداً أو بالذهاب إليهم شخصياً، أشعرناهم بأننا إلى جانبهم في هذه المرحلة؛ لأن مسياد ليس منصة رأس مال فحسب، بل أسرة كبيرة وقوية. وفي هذه المرحلة رأينا قوة أن نكون أسرة وعشناها مرة أخرى.
وفي هذه المرحلة أيضاً اضطلع كيانانا مسياد الشباب ومسياد النساء بدور فاعل للغاية في الميدان. ويمكنني القول إن تنظيمنا الشبابي وعضواتنا لم يتركوا في هذه المرحلة مكاناً في تركيا لم يقصدوه، سواء في إيصال الاحتياجات أو في إدارة الحملات إدارة فاعلة.
كيف تقيّمون حزم التمويل منخفضة الفائدة ولا سيما في شراء المساكن والسيارات؟ وما نوع الإسهام الذي ستقدّمه للسوق؟
أودّ بدايةً أن أعبّر عن ارتياحنا لاتجاه انخفاض تكاليف الائتمان. وكما ذكرنا مراراً، سنقف دائماً خلف نظام خالٍ من الفائدة وخلف نماذج التمويل والدعم البديلة. ومع ذلك يمكن النظر إلى هذه الخطوة بوصفها خطوة مفيدة اتُّخذت لإنعاش السوق ولا سيما لتصريف المخزون في قطاع الإسكان. غير أن ثمة مسألة ينبغي التشديد عليها هنا وهي الزيادات في أسعار المساكن؛ فمع هذه الزيادات ستصبح كفاءة حزمة التمويل الجديدة موضع نقاش. فالارتفاع في أسعار المساكن المستعملة والسيارات المستعملة انتقل هذه الأيام إلى أسعار المساكن والسيارات الجديدة أيضاً، ويمكن الحديث عموماً عن زيادة في الأسعار بين %10-20، وهذا قد يؤدي إلى تلاشي الدعم المقدَّم داخل الأسعار المرتفعة. ومطلبنا هو توسيع تطبيقات خفض تكاليف الائتمان لتشمل، لا الإسكان فحسب، بل شراء المناطق الصناعية والمنشآت في إطار تمليك أماكن العمل طويل الأجل؛ وبذلك سيتجه المنتج الذي تزداد طاقته الإنتاجية إلى شراء المساكن والسيارات بالعائد الآتي من الإنتاج. وإلا فإن تشجيع الشراء وحده قد يؤدي إلى تحوّل المال إلى مخزون لا إلى إنتاج.
اكتسبت الحروب التجارية بين الصين والولايات المتحدة بُعداً جديداً مع تفشي فيروس كورونا. كيف يؤثر هذا الصراع العالمي في المصدّر التركي؟
إن تناول المحور الأساسي هنا من زاوية الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة وحدها سيؤدي إلى تحليل محدود؛ فلا بد من دراسة المسار هنا. وتحليل الأعوام بين 2000 و2020 تحليلاً جيداً سيوفّر لنا بهذا المعنى قراءة تاريخية مناسبة لصراع الهيمنة المقبل. فالمسار الذي بدأ بهجمات 11 سبتمبر صار في الحقيقة نقطة انطلاق صراعات قوة جديدة تماماً، ومع مرور الوقت دخلت الصين اللعبة لاعباً عملاقاً. ومع دخول الصين بدأت خطوط الإنتاج الاقتصادي والتوريد تنزاح تدريجياً نحو الشرق، وباتت الصين في هذه النقطة المركز الطارد الجديد لاقتصادات الشرق. بل يمكننا العودة إلى الوراء قليلاً وإرجاع المسألة إلى قبول عضوية الصين في منظمة التجارة العالمية. وكما تعلمون فقد نوقشت عضوية الصين في WTO كثيراً، وجرى تناول كونها ستؤدي إلى ممارسات مخلّة بالمنافسة في قمم مجموعة السبع آنذاك. ولم يمضِ وقت طويل حتى بدأ ما كان متوقعاً يتحقق؛ فقد قُدّمت إلى آلية تسوية المنازعات في منظمة التجارة العالمية طلبات كثيرة منشؤها الصين، وفي معظمها بدأت تحركات الصين المخلّة بالسوق، من كسر الأسعار بفضل ميزة التكلفة المنخفضة ونسخ المنتجات المسجَّلة ببراءات اختراع، تثير قلق الاقتصادات الغربية. والصين هنا ليست عنصراً قائماً بذاته، بل هي كما قلت قبل قليل مجال طرد مركزي؛ فعندما تدخل جبهات الهند وباكستان والجمهوريات التركية وإندونيسيا في الأمر، تبرز كتلة اقتصادية شرقية. والعنصر الأساسي الداعم لذلك هو مشروع الحزام والطريق الصيني، وهو الصيغة الموسّعة لطريق الحرير التاريخي. وليس الأمر هنا إنشاء شبكة لوجستية جديدة فحسب، بل ثمة خطة لتكوين سلسلة توريد موجَّهة أيضاً. انظروا، من أسباب مفاجأتنا بالجائحة على هذا النحو من عدم الاستعداد سياسة خطوط التوريد الموجَّهة ذات المنشأ الصيني. فاليوم يعتمد في المتوسط %7 من إنتاج الصناعة التحويلية في العالم على استيراد سلع وسيطة منشؤها الصين، وتبلغ هذه النسبة لدى بلدنا % 6. وهذا الاعتماد يُحدث أثر دومينو هائلاً في فترات الأزمات. وبالمثل فإن القيمة المضافة التي تنتجها الصين في قطاعات الحواسيب والإلكترونيات وسائر المعدات تبلغ % 27، أما في النقل والقطاعات المرتبطة به فتبلغ هذه النسبة %145. واعتماد كهذا، يُضاف إليه ربط طرق التجارة بعضها ببعض في إطار مشروع الحزام، يفتح الباب أمام قوة يستحيل التغلب عليها.
غير أن الموقع الجيوسياسي لتركيا هنا ليس كسائر الدول؛ فالاقتصادات الغربية، بحكم موقعها الجغرافي، في موقع المتلقي لهذا الخط اللوجستي الجديد. وفي عالم ينزاح فيه الإنتاج نحو الشرق شيئاً فشيئاً، على تركيا هذه المرة أن تُحسن استثمار القدر الذي تمنحه إياها الجغرافيا. فقد صار الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وإفريقيا ومنطقة الخليج مناطق استهلاك ضمن هذا الخط، وتركيا في هذه المرحلة نقطة إنتاج بحكم جاذبيتها لدى اقتصادات الشرق، ومنطقة عبور في ما يخص إيصال المنتجات إلى الاقتصادات الغربية. وليس خط طريق الحرير وحده، بل خط طريق التوابل الذي يضم سوريا ويمتد من الجنوب بوصفه بديلاً يسير هو الآخر ضمن ظهير تركيا. ولاستخدام مزايا التصدير هنا استخداماً صحيحاً لا بد أولاً من تطبيق سياسة استثمار صحيحة؛ فتشغيل الاستثمار ضمن تزامن الإنتاج والتجارة والاستثمار، بدلاً من تناوله مكوّناً مستقلاً قائماً بذاته، يعني أن تصبح تركيا في مرحلة ما بعد كورونا جاذبة بإدراك إيجابي للمنتج والإنتاج ومجالاً استثمارياً آمناً في مواجهة تدفقات النقد الأجنبي المتقلبة في الأسواق المتقدمة.
وفي النهاية لن ينتهي الصراع بين الصين والولايات المتحدة؛ بل على العكس، وقد أُضيف إلى اللعبة الآن الصراع بين الصين والهند أيضاً، فالأساس أن يبادر مصدّرونا ضمن معادلة معقّدة متعددة الأطراف إلى تنويع سلاسل توريدهم بما يلائم كل الاحتمالات، وأن يهيّئوا خطوطهم اللوجستية البديلة في أقرب وقت على شكل خطط A وB وC.
غير أنه، كما ذكرت في مستهل الحوار، فإن التطبيع الكامل للمسار التجاري مرهون بمسار الجائحة. وثمة هنا مسار من أربع مراحل: 1. إذا بدأت الدول تطبّع أوضاعها واحدة تلو الأخرى وشغّلت خطوط الإنتاج في قطاعاتها الحيوية، 2. إذا بلغت الزيادات في الطاقة الإنتاجية في القطاعات الحيوية، ولنقل في الصناعة التحويلية، مستوى مُرضياً في كل بلد تقريباً ونحن منها، 3. إذا بدأت مشكلة الثقة تتحسن تدريجياً بين الدول وكذلك لدى المواطنين والمستثمرين والمنتجين داخل البلد، وأخيراً إذا بدأ من الآن تخطيط نوعي للتصدير والاستثمار والمعاملات المدرّة للنقد الأجنبي، فإن مرحلة ما بعد كوفيد تشير إلى ساحة دولية جاذبة للمصدّرين في تركيا.
الرئيس العام Kaan: يمكننا أن نصبح بلداً جاذباً بمعالجة الاستثمار ضمن تزامن الإنتاج والتجارة والاستثمار
أخبار مسياد
