المقدمة
الضيوف الكرام، أعزائي الشباب …
أهلاً وسهلاً بكم جميعاً في المستقبلية 25…
إن ما نعيشه منذ فترة يدفعنا إلى طرح السؤال: ‘هل يوجد حقاً نظام في العالم؟’
لأن القالب الذي عُلّمناه على أنه النظام العالمي أصبح اليوم المغذّي الرئيسي لكل الفوضى المناهضة للنظام.
انظروا إلى العالم؛ نحن نبني أمننا على انعدام أمن الآخرين، وثروتنا على فقر الآخرين. ونغذّي طمأنينتنا بعجز الآخرين.
ربما يكون ما يُسمّى النظام العالمي في حقيقته مجرد وهم عُلّمناه، وغُلّف كي لا يُسأل عنه، ولُصقت عليه فوق ذلك بطاقة ‘القاعدة’! ربما!
لكن مهما يكن الأمر، فإن هذا النظام أصبح اليوم مفارقة تهدد وجوده ذاته!
لقد انهار العالم الذي عُلّمناه، والعالم الجديد لا يكنّ أدنى احترام للقوالب القديمة.
إن الفوضى التي نعيشها اليوم ليست أزمة، بل هي آلام ولادة.
نحن نقف تماماً على عتبة فقدت فيها القواعد القديمة وظيفتها ولم تُكتب فيها القواعد الجديدة بعد.
هل سنظل نعيش بالقوالب التي عُلّمناها، أم سنبني نظامنا الخاص؟
ها هو! وبما أننا اجتمعنا هذا العام في المستقبلية، أردنا أن نتناول هذا السؤال معاً.
2. الترابط – لماذا هو الموضوع الرئيسي لهذا العام؟
الموضوع الرئيسي للمستقبلية 25: الترابط
لا ينبغي أن يُفهم هذا على أنه مجرد اتصال الأجهزة التكنولوجية ببعضها.
إن الحقبة التي نعيشها عصرٌ ترتبط فيه ببعضها البشر والاقتصادات والثقافات والأزمات والقيم، بل والمصائر أيضاً.
اليوم يمكن لتقلب اقتصادي يشهده بلد ما أن يؤثر في اليوم نفسه على شركة في أبعد نقطة من العالم.
وانكسار ثقافي يشهده مجتمع ما يمكن أن يغيّر حياة ملايين البشر.
ونموذج واحد للذكاء الاصطناعي يمكن أن يوجّه قرارات مليارات الأشخاص.
لم يعد أي شيء قائماً بذاته...
ولا توجد مشكلة معزولة...
ولا يوجد حل أحادي الجانب...
لهذا السبب وضعنا هذا العام كلمة “الترابط” في المركز المفاهيمي للمستقبلية.
لأن نظام المستقبل سيتشكّل عبر الروابط.
وكل ما سنتحدث عنه اليوم هو في حقيقته حكاية ترابط.
3. النظام (Order)
سارت البشرية سنوات طويلة ضمن نظام معيّن.
كان إيقاع التجارة العالمية معلوماً…
وكانت للعلاقات الدولية أدوارها…
وكان هناك توازن بين الثقافات والمجتمعات…
وبينما كانت التكنولوجيا تتقدم، كانت تحافظ في الوقت نفسه على قابلية التنبؤ.
لم يكن هذا النظام مثالياً بطبيعة الحال.
لكن كان لدى الناس تصوّر مسبق عن الحياة.
الاستقرار في الاقتصاد…
الاستمرارية في الثقافة…
الخطوات المبتكرة في التكنولوجيا…
كان إيقاع العالم يعزف اللحن ذاته منذ زمن طويل، كأن شيئاً لم يتغيّر.
4. الفوضى (Disorder)
لكن بعد ذلك… اختلّ اللحن…
نمرّ في السنوات الأخيرة بمرحلة أصبح فيها الغموض هو الحالة الطبيعية للحياة.
التقلبات الاقتصادية، والأزمات السياسية، والصدمات المناخية، والتنافسات الجيوسياسية… وغيرها الكثير
كل شيء يتغيّر فجأة ويهتزّ بسرعة.
والمؤلم أن… الفوضى التي غدت هي النظام ذاته في بعض أنحاء العالم ليست مجرد مفهوم، بل هي مأساة إنسانية أيضاً.
إن الألم الذي يعيشه مئات الآلاف من الأبرياء في غزة صار للأسف نظاماً…
أسرة تتشتّت مع انهيار بيت…
غبار على وجه طفل يلتصق في الحقيقة بضمير قرن بأكمله…
اليوم تتّسع خريطة الحروب، بينما يضيق ضمير الإنسانية.
التكنولوجيا تتطور والاقتصادات تنمو، فماذا عن الرحمة؟
نتصل ببعضنا البعض، لكننا في أغلب الأحيان لا نتصل بالآلام بالسرعة نفسها.
الفوضى نقطةٌ لم ينكسر فيها النظام وحده، بل انكسرت فيها أيضاً قيمنا وعاداتنا وطريقتنا في فهم العالم.
5. الإنسان في خضمّ الغموض
في خضمّ كل هذا الاضطراب، السؤال الأكبر هو التالي!
أين يقف الإنسان بالضبط من كل ما يجري؟
التنافس الاقتصادي …
الطفرات التكنولوجية …
يُتحدث عن التوازنات الجيوسياسية…
فماذا عن الإنسان؟
طمأنينته؟ أمنه؟
أمله ومستقبله؟
في كونٍ يضع الإنسان في مركز الوجود، يُبعَد الإنسان نفسه عن المركز…
نمرّ بعصر يُبخَس فيه شرف الإنسانية ويُترك فيه الإنسان وحيداً في صمت…
والأدهى أن كل هذا الدمار يُبرَّر باسم مستقبل العالم…
وكأن إهدار الإنسان أثناء بناء المستقبل أمر طبيعي…
لكن لمن نبني المستقبل؟
هل يكون المستقبل الخالي من الإنسان مستقبلاً حقاً؟
6. النظام الجديد (Reorder)
لكن كل فوضى هي في الوقت نفسه بداية لنظام جديد.
لا أحد منا اليوم يستطيع أن يرسم المستقبل بخطوط قاطعة.
لأن المستقبل لم يُكتب بعد.
أما المؤشرات الأساسية للنظام الجديد فتظهر شيئاً فشيئاً:
- الاقتصاد سيتجه نحو المتانة.
- والثقافة ستضطر إلى إعادة نسج الروابط بين المجتمعات.
- أما التكنولوجيا فستضطر إلى التقدم جنباً إلى جنب مع الإنسان.
سيكون النظام الجديد نظام العقل المشترك والقيم المشتركة والمسؤوليات المشتركة.
لا بد أن يكون كذلك! وإلا فسينقلب العالم رأساً على عقب!
7. لماذا نحن هنا؟
إن سبب اجتماعنا هنا اليوم هو؛
بلا شك ليس تفسير العالم بإجابات قاطعة...
الهدف الحقيقي هو:
أن نفكّر.
أن نفكّر معاً.
أن نطرح الأسئلة.
أن ننتج أسئلة جديدة.
وأن نضع معاً لبنة أخرى في نظام المستقبل.
8. الختام
رغم كل ظلام السنوات الأخيرة، ظلت أقوى خصال الإنسانية كما هي دائماً:
الرغبة في البدء من جديد…
نعم
النظام يختلّ…
والفوضى تزداد…
لكن الإنسان ينجح في كل مرة في إقامة نظام جديد.
إن ما نناقشه هنا اليوم،
هو إرادة البدء من جديد…
وأدعوكم جميعاً إلى أن تكونوا جزءاً من هذه الإرادة طوال المستقبلية 25.
وأتمنى لكم يوماً جميلاً مفعماً بالإلهام والحماس والمعرفة.
ومرة أخرى، أهلاً وسهلاً بكم جميعاً…